الصفحة 14 من 574

الإسلامي نتيجة لتاريخها الديني فالإنسان الشرقي الذي ربته رسالات السماء

وعاشت في بلاده ومر بتربية دينية مديدة على يد الإسلام ينظر بطبيعته إلى

السماء قبل أن ينظر إلى الأرض ويؤخذ بعالم الغيب قبل أن يؤخذ بالمادة

والمحسوس.

وافتتانه العميق بعالم الغيب قبل عالم الشهادة هو الذي عبر عن نفسه

على المستوي الفكري في حياة المسلمين باتجاه الفكر في العالم الإسلامي إلى

المناحي العقلية من المعرفة البشرية دون المناحي التي ترتبط بالواقع المحسوس.

وهذه الغيبية العميقة في مزاج الإنسان المسلم حددت من قوة أغراء

المادة للإنسان المسلم وقابليتها لأثارته الأمر الذي يتجه بالإنسان في العالم

الإسلامي حين يتجرد عن دوافع معنوية للتفاعل مع المادة وإغرائه باستثمارها

إلى موقف سلبي تجاهها يتخذ شكل الزهد تارة والقناعة أخرى والكسل ثالثة.

وقد روّضته هذه الغيبية على الشعور برقابة غير منظورة قد تعبر في وعي

المسلم التقي عن مسؤولية صريحة بين يدي الله تعالى وقد تعبر في ذهن مسلم

آخر عن ضمير محدّد وموجّه وهي على أي حال تبتعد بإنسان العالم الإسلامي

عن الإحساس بالحرية الشخصية والحرية الأخلاقية بالطريقة التي أحس بها

الإنسان الأوروبي.

ونتيجة لشعور الإنسان المسلم بتحديد داخلي يقوم على أساس أخلاقي

لصالح الجماعة التي يعيش ضمنها يحس بارتباط عميق بالجماعة التي ينتسب

إليها وانسجام بينه وبينها بدلًا عن فكرة الصراع التي سيطرت على الفكر

الأوروبي الحديث. وقد عزز فكرة الجماعة لدى الإنسان المسلم الإطار

العالمي لرسالة الإسلام الذي ينيط بحملة هذه الرسالة مسؤولية وجودها عالميًا

وامتدادها مع الزمان والمكان فإن تفاعل إنسان العالم الإسلامي على مر التاريخ

مع رسالة عالمية منفتحة على الجماعة البشرية يرسخ في نفسه الشعور بالعالمية

والارتباط بالجماعة. وهذه الأخلاقية التي يعيشها إنسان العالم الإسلامي إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت