الصفحة 225 من 574

وعلى هذا الأساس خيل للاقتصاديين الرأسماليين في باديء الأمر:

أن ضمان سعادة المجتمع ومصالحه ليس بحاجة إلى القيم الخلقية والروحية،

وتغذية الناس بها، لأن كل إنسان_ وحتى من لا يعرف شيئًا من تلك

القيم_ يسير طبقًا لمصلحته الخاصة، إذا كفلت له الحرية في المجال العملي.

وهذه المصلحة نفسها تواكب مصلحة المجتمع، وتتفق معها في نتائجها،

وإن كان الفرد مدفوعًا نحوها بدافع خاص. وهكذا يمكن للمجتمع أن

يستغني عن الخدمات التي تقدمها القيم الخلقية والروحية، ويصل على مصالحه

بالطريقة الرأسمالية، التي توفر لكل فرد حريته، وتمنحه القدرة على تقدير

موقفه في ضوء مصالحه الخاصة، التي تلتقي في آخر الشوط بالمصالح العامة.

ولهذا السبب كانت الحرية التي تنادي بها الرأسمالية، مجردة من كل

الإطارات والقيم الخلقية والروحية، لأنها (حرية) حتى في تقدير هذه

القيم. ولا يعني هذا أن تلك القيم لا وجود لها في مجتمع رأسمالي، وإنما

يعني أن الرأسمالية لا تعترف بضرورة هذه القيم لضمان مصلحة المجتمع،

وتزعم إمكان الاستغناء عنها عن طريق توفير الحريات للأفراد، وإن كان

الناس أحرار في التقليد القيم ورفضها.

ويذكر أنصار الرأسمالية في سياق الاستدلال على ذلك: أن الحرية

الاقتصادية تفتح مجال التنافس الحر بين مختلف مشاريع الإنتاج. وصاحب

المشروع_ في ظل هذا التنافس الحر الذي يسود الحياة الاقتصادية_ يخاف

دائمًا من تفوق مشروع آخر على مشروعه واكتساحه له، فيعمل بدافع

من مصلحته الخاصة على تحسين مشروعه والاستزادة من كفاءاته، حتى

يستطيع أن يخوض معركة السباق مع المشاريع الأخرى، ويصمد في أتون

هذا النضال الأبدى، ومن أهم الوسائل التي تتخذ في هذا السبيل، إدخال

تحسينات فنية على المشروع. وهذا يعني: أن صاحب المشروع في المجتمع

الرأسمالي الحر يظل دائمًا يتلقف كل فكرة أو تحسين جديد على الإنتاج،

أو أي شيء آخر من شأنه أن يمكنه من الإنتاج بنفقة أقل. فإذا أدخل هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت