الصفحة 234 من 574

وتبلغ الحرية الطبيعية ذروتها في الإنسان، لأن الحقل العملي الذي

منحته الطبيعة له أوسع الحقول جميعًا. فبينما كانت الميول والشهوات

الغريزية في الحيوان حدودًا نهائية للحقل الذي يعمل فيه فلا يستعمل الحيوان

حريته إلا في حدود تلك الميول والشهوات.. لم يعد لها في حقل النشاط

الحيوي للإنسان تلك المنزلة، لأن الإنسان ركب تركيبًا نفسيًا وعضويًا

خاصًا، يمكنه من قهر تلك الشهوات، أو التحديد من مفعولها. فهو حر

حتى في الانسياق مع تلك الشهوات أو معاكستها.

وهذه الحرية الطبيعية التي يتمتع بها الإنسان، هي التي تعتبر بحق

إحدى المقومات الجوهرية للإنسانية، لأنها تعبير عن الطاقة الحيوية فيها.

فالإنسانية بدون هذه الحرية لفظ بدون معنى.

ومن الواضح أن الحرية بهذا المعنى خارجة عن نطاق البحث المذهبي،

وليس لها أي طابع مذهبي، لأنها منحة الله للإنسان، وليست منحة مذهب

معين دون مذهب، لتدرس على أساس مذهبي.

وأما الحرية التي تحمل الطابع المذهبي، وتميز المذهب الرأسمالي،

وتحتل القاعدة الرئيسية في كيانه.. فهي الحرية الاجتماعية، أي الحرية،

التي يكسبها الفرد من المجتمع لا من الطبيعة. فإن هذه الحرية هي التي

تتصل بالوجود الاجتماعي للإنسان وتدخل ضمن نطاق الدراسات المذهبية والاجتماعية.

وإذا استطعنا أن نميز بوضوح، بين الحرية الطبيعية والحرية الاجتماعية.

أمكننا أن ندرك مدى الخطأ في منح الحرية الاجتماعية خصائص الحرية

الطبيعية وفي القول: بأن الحرية التي يوفرها المذهب الرأسمالي، مقوم

جوهري للإنسانية وعنصر حيوي في كيانها. فإن هذا القول يرتكز على

أساس: عدم التمييز بين الحرية الطبيعية بوصفها مقومًا جوهريًا للوجود

الإنساني، والحرية الاجتماعية بوصفها مسألة اجتماعية، يجب أن يدرس

مدى كفاءتها لبناء مجتمع سعيد، وانسجامها مع القيم الخلقية التي نؤمن بها.

ولنأخذ الآن الحرية الاجتماعية بهذا الوصف لندرس موقف المذهب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت