الصفحة 247 من 574

والاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي. فبينما يمارس الأفراد حريات غير

محدودة في ظل الاقتصاد الرأسمالي، وبينما يصادر الاقتصاد الاشتراكي

حريات الجميع.. يقف الإسلام موقفه الذي يتفق مع طبيعته العامة، فيسمح

للأفراد بممارسة حرياتهم ضمن نطاق القيم والمثل، التي تهذب الحرية

وتصقلها، وتجعل منها أداة خير للإنسانية كلها.

والتحديد الإسلامي للحرية الاجتماعية في الحقل الاقتصادي على قسمين:

أحدهما: التحديد الذاتي الذي ينبع من أعماق النفس، ويستمد قوته

ورصيده من المحتوى الروحي والفكري للشخصية الإسلامية.

والآخر: التحديد الموضوعي الذي يعبر عن قوة خارجية، تحدد

السلوك الاجتماعي وتضبطه.

أما التحديد الذاتي: فهو يتكون طبيعيًا في ظل التربية الخاصة، التي

ينشيء الإسلام عليها الفرد في المجتمع الذي يتحكم الإسلام في كل مرافق

حياته (المجتمع الإسلامي) .فإن للإطارات الفكرية والروحية التي يصوغ

الإسلام الشخصية الإسلامية ضمنها، حين يعطي فرصة مباشرة واقع الحياة

وصنع التاريخ على أساسه.. إن لتلك الإطارات قوتها المعنوية الهائلة،

وتأثيرها الكبير في التحديد ذاتيًا وطبيعيًا من الحرية، الممنوحة الأفراد

المجتمع الإسلامي، وتوجيهها توجيهًا مهذبًا صالحًا، دون أن يشعر لأفراد

بسلب شيء من حريتهم، لأن التحديد نبع من واقعهم الروحي والفكري،

فلا يجدون فيه حدًا لحرياتهم. ولذلك لم يكن التحديد الذاتي تحديدًا للحرية

في الحقيقة، وإنما هو عملية إنشاء للمحتوى الداخلي للإنسان الحر، إنشاءًا

معنويًا صالحًا، حيث تؤدي الحرية في ظله رسالتها الصحيحة.

وقد كان لهذا التحديد الذاتي نتائجه الرائعة، وآثاره الكبيرة في تكوين

طبيعة المجتمع الإسلامي ومزاجه العام، وبالرغم من أن التجربة الإسلامية

الكاملة كانت قصيرة الأمد، فقد آتت ثمارها، وفجّرت في النفس البشرية

امكاناتها المثالية العالية، ومنحتها رصيدًا روحيًا زاخرًا بمشاعر العدل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت