الصفحة 350 من 574

يجب عليه أن يختار مجموعة متسقة من الأحكام، منسجمة في اتجاهاتها

ومدلولاتها النظرية، ليستطيع أن يكتشف على أساسها المذهب. وهو حين

لا يجد هذه المجموعة المتسقة في الأحكام، التي أدى إليها اجتهاده الشخصي،

يجد نفسه مضطرًا إلى اختيار نقطة انطلاق أخرى، مناسبة لعملية الاكتشاف.

ولنجسد المشكلة بصورة أوضح في المثال التالي:

مجتهد رأى أن النصوص تربط ملكية الثروات الطبيعية الخام بالعمل،

وتنفي تملكها بأي طريقة أخرى سوى العمل، ووجد لهذه النصوص استثناءً

واحدًا في نص يقرر في بعض المجالات: التملك بطريقة أخرى غير العمل.

إن هذا المجتهد سوف تبدو له نتائج النصوص ومعطياتها_ حسب

اجتهاده_ قلقة غير متسقة. ومصدر هذا القلق وعدم الاتساق: النص

الاستثنائي، إذ لولاه لاستطاع أن يكشف على أساس مجموع النصوص

الأخرى: إن الملكية في الإسلام تقوم على أساس العمل. فماذا يصنع هذا

المجتهد، وبم يتغلب على التناقض بين موقفيه الاجتهادي والإكتشافي؟.

إن المجتهد الذي يواجه هذا التناقض يحتمل عادة تفسيرين لذلك القلق،

وعدم الاتساق بين الأحكام التي أدى إليها اجتهاده.

أحدهما: أن بعض النصوص التي مارسها غير صحيحة، كالنص

الاستثنائي في الفرضية التي افترضناها مثلًا، بالرغم من توفر الشروط التي

أمر الإسلام باتباع كل نص تتوفر فيه. وعدم صحة بعض النصوص أدى

إلى دخول عنصر تشريعي غريب في المجموعة التي يضمها اجتهاده من

أحكام، وأدى بالتالي إلى تنافر تلك الأحكام على الصعيد النظري وفي عملية

الاكتشاف.

والتفسير الآخر: أن هذا التنافر المحسوس بين عناصر المجموعة

سطحي، وليس له واقع: وإنما نتج إحساس الممارس به عن عدم قدرته

على الاهتداء إلى سر الواحدة بين تلك العناصر، وتفسيرها النظري المشترك.

وهنا يختلف موقف الممارس بوصفه مجتهدًا يستنبط الأحكام، عن

موقفه بوصفه مكتشفًا للمذهب الاقتصادي فهو باعتباره مجتهدًا يستنبط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت