الصفحة 354 من 574

صحيح أن الفرد الذي كان يعيش عصر النبوة يبدو لنا الآن أنه كان

يتمتع بنصيب كبير من الحرية، التي قد لا يميز الممارس أحيانًا بينها وبين

الحريات الرأسمالية، ولكن هذا الوهم يتبدد حين نرد التطبيق إلى النظرية

إلى النصوص التشريعية.

والسبب في هذه المفارقة بين النظرية والتطبيق، بالرغم من أن كلا

منهما تعبير عن الآخر بشكل من الأشكال.. يكمن في الظروف التي كان

إنسان عصر التطبيق يعيشها، ونوع الإمكانات التي كان يملكها فإن المضمون

اللارأسمالي للنظرية في الاقتصاد الإسلامي، كان مختفيًا في مجال التطبيق إلى

حد ما، بقدر ما كانت إمكانات الإنسان وقدرته على الطبيعة ضئيلة ويبرز

المضمون اللارأسمالي باطراد، ويتضح في مجال التطبيق الأمين للإسلام،

بقدر ما ترتفع تلك الإمكانات وتتسع تلك القدرة. فكلما امتدت قدرة

الإنسان، وتنوعت وسائله في السيطرة على الطبيعة.. انفتحت أمامه مجالات

أرحب للعمل والتملك والاستغلال، واتضح أكثر فأكثر تناقض النظرية

في الاقتصاد الإسلامي مع الرأسمالية، وتجلى مضمونها اللارأسمالي من

خلال الحلول التي يضعها الإسلام للمشاكل المستجدة، عبر القدرة المتنامية

للإنسان على الطبيعة.

فإنسان عصر التطبيق كان يذهب مثلًا إلى منجم ملح أو غيره، ويحمل

ما يشاء من المواد المعدنية، دون منع من النظرية التي كانت لها السيادة،

ولا معرضة منها للملكية الخاصة لتلك المواد. فماذا يمكن أن توحي به هذه

الظاهرة في مجال التطبيق، إذا فصلت عن دراسة النصر التشريعي والفقهي

بشكل عام؟. إنها توحي بسيادة الحرية الاقتصادية في المجتمع، بدرجة

تشبه الوضع الرأسمالي للحرية في التملك والاستثمار.

وأما إذا نظرنا إلى النظرية من خلال النصوص، وجدنا أنها توحي

بشعور معاكس للشعور الذي أوحت به تلك الظاهرة في مجال التطبيق، لأن

النظرية في نصوصها تمنع أي فرد عن تملك المنابع المعدنية للملح أو النفط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت