الصفحة 404 من 574

وتدخل الحياة الزراعية.. أن يشغل كل فرد فيها مساحة من تلك الأرض،

تبعًا لإمكاناته، ويعمل لاستثمارها. ومن خلال هذا التقسيم الذي يبدأ بوصفه

تقسيمًا للعمل_ إذ لا يتاح لجميع المزارعين المساهمة في كل شبر_ تنشأ

الحقوق الخاصة للأفراد، ويصبح لكل فرد حقه في الأرض، التي أجهدته

وامتصت عمله وأتعابه. وتظهر بعد ذلك عوامل العنف والقوة، حين

يأخذ الأكثر قدرة وقوة يغزو أراضي الآخرين ويستولي على مزارعهم.

ولسنا نريد بهذا أن نبرر الحقوق والملكيات الخاصة للأرض، التي

مرت في تاريخ الإنسان، وإنما نستهدف القول. بأن الاحياء_ العمل في

الأرض_ هو_ في أكبر الظن_ السبب الأول الوحيد، الذي اعترفت

به المجتمعات الفطرية، بوصفه مصدرًا لحق الفرد في الأرض، التي أحياها

وعمل فيها، والأسباب الأخرى كلها عوامل ثانوية، ولدتها الظروف

والتعقيدات، التي كانت تبتعد بالمجتمعات الأولى عن وضعها الفطري

والهامها الطبيعي.

وقد فقد السبب الأول اعتباره تاريخيًا بالتدريج، خلال نمو هذه

العوامل الثانوية، وتزايد سيطرة الهوى على الفطرة، حتى امتلأ تاريخ

الملكية الخاصة للأرض بألوان من الظلم والاحتكار، وضاقت الأرض

على جماهير الناس، بقدر ما اتسعت للمحظوظين منهم.

والإسلام_ كما رأينا_ قد أعاد إلى هذا السبب الفطري اعتباره، إذ

جعل الاحياء المصدر الوحيد لاكتساب الحق من الأرض، وشجب الأسباب

الأخرى كلها. وبهذا أحيى الإسلام سنة الفطرة، التي كاد الإنسان

المصطنع أن يطمس معالمها.

هذا فيما يتصل باتهام السند التاريخي لملكية الأرض. ولكن الاتهام

الأوسع والأخطر من ذلك، هو اتهام نفس فكرة الملكية والحق الخاص

بالأرض بالذات، وبشكل مطلق، كما تؤكد عليه بعض الاتجاهات

المذهبية الحديثة، أو نصف الحديثة_ إن صح هذا التعبير_ كالاشتراكية

الزراعية وغالبًا ما نسمع بهذا الصدد: أن الأرض ثروة طبيعية لم يصنعها

إنسان، وإنما هي هبة من هبات الله، فلا يجوز لأحد أن يستأثر بها دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت