الصفحة 114 من 159

ثم استفحلت هذه العلل، ووهت المقاومة، فإذا الدولة الرفيعة الشأن تنحط من عليائها، وتأخذ شمسها في الأفول رويدا رويدا، حتى عم الظلام بعد انحدار شمل القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة.. ونحن المسلمون متشبثون برسالتنا السماوية وسائرون على سناها ووقافون عند حدودها وعندما نستعيد نشاطها القديم، ونستحيى ماضيها الأول، فإنما نستعيد بداهة الأمجاد لا العلل ونستحيى الصواب لا الخطأ. ولنعترف أن لآبائنا وأجدادنا أخطاء قلت أو كثرت. وما نستطيع القول بأن خطاهم لزمت الصراط المستقيم، فما زاغت ولا تعثرت.. إن هذا القول عمى عن الواقع وجهل بالدين، واستدامة لأسباب الهبوط والهزيمة ولنعترف طائعين بأن الاستعمار الذى استباح حرماتنا بين المحيطين الهادى والأطلسى شرقا وغربا، وبين سيبيريا على شواطئ المحيط المتجمد شمالا، وتحت الصحراء الكبرى وأعماء إفريقيا جنوبا، لنعترف بأن هذا الاستعمار كان نتيجة لأخطاء جسام ارتكبها المسلمون، وتفريط قبيح طعن رسالتهم في صميمها، وكبا بتاريخهم في تلك الهاوية السحيقة!! لنعترف بأننا ابتعدنا عن كتاب الله وسنة رسوله في كثير من ميادين العلم والسياسة، وأننا حين نصطلح مع الوحى وصاحبه فليس عن طريق الجمود العلمى أو الفساد السياسى، وهما علتان أزرتا بتاريخنا كله في الحقب الأواخر.. ومن حسن الحظ أن أصول الإسلام النظرية محفوظة وفيها تصوير كامل للحق. وأن التطبيق الحسن لا يعجز مؤمنا يدين لله بالسمع والطاعة. والذى يتصور الإسلام بعض الآراء، أو بعض الأعمال التى وقعت في قرن كذا أو قرن كذا مخطئ كل الخطأ. فإن آراء الناس وأعمالهم على امتداد القرون يحكم عليها ولا يحتكم إليها. يحكم عليها بما قال الله وقال الرسل وليست أسوة يتأسى بها الأخلاف أو يحتجون. فملوك بنى أمية والعباس وعثمان رجال فيهم البر والفاجر والمخطئ والمصيب، وسياستهم قد تضل وقد ترشد. وما تؤخذ الأسوة الحسنة إلا من صاحب الرسالة وخلفائه الراشدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت