لا لأنها منفصلة عن الكنيسة، ولكن لأن الكنيسة غير موجودة، وليست هى من طبيعة الدين الإسلامى ولا جزءا منه..". 151"
هكذا وضع مفكر مغربى كبير أصابعه بلطف على الجرح الدامى للمشكلة، التى برزت لميدان السياسة العربية في الشرق، ثم ظهرت عندنا في المغرب، ليلة إعلان الاستقلال، والتى قاومتها في صمت منذ ثلاث سنوات دون أن أجد سندا أدبيا من كاتب أو مفكر مغربى يواجهها بصراحة، حتى تعرض لها الأستاذ علال الفارسى في آخر لحظة بينما هذا الكتاب تحت الطبع.. والواقع أن عدم إدراك هذا الفرق الكبير في مدلول كلمة الدين عند المسيحيين وعند المسلمين كان عظيم الخطر في تضليل الكثيرين من المثقفين العرب الذين تلقوا تعليما غريبا دون أن يحصلوا بجانبه على دراسة صحيحة تمكنهم من معرفة الإسلام على حقيقته. ولما كانت الكلمات اللغوية إنما تعيش في المعانى الحية التى يلبسها الناس كلها بالاستعمال كل يوم، فإن كلمة"الدين"لم تعش في ذهن هذه الطبقة من المثقفين إلا بمدلولها الغربى الذى أشار إليه الأستاذ علال الفاسى إذ هو الذى تتحدث عنه الآداب والثورات والكتب والصحف الغربية التى تعيش عليها وفى جوها هذه الطبقة.. وكما ضل الكماليون الأتراك في فهم الدين الإسلامى على حقيقته فسلكوه مسلك الديني المسيحى وأصدروا حكما واحدا عليهما. فإن هذا التيار الغربى المضلل لا يزال جارفا حتى اليوم ولا يزال يجرف معه كتابا ومفكرين وسياسيين يقعون في خداعه غير شاعرين. ففى إبريل سنة 1958 كتب الأستاذ محمد النقاش في مجلة الآداب اللبنانية مقالا علق فيه على الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الذى لم ينص فيه على دين الدولة ولا دين رئيسها قائلا:"وإنها لخطوة مباركة، فالدين دستور سماوى يقرر علاقة الإنسان بالله بينما دستور الدولة دنيوى يقرر علاقة المواطنين بعضهم ببعض!!. والدولة الديمقراطية الحق تفصل بينها وبين الدين، وتبيح حرية المعتقد لجميع مواطنيها"