أما إذا تدخل في المعاملات العامة والخاصة واستكثر من الشرائع التى تضبط المجتمع على نحو معين، وتسوقه إلى وجهة بينة، فإن العداوة هنا تمتد وتشتد. لذلك لا تطيق الشيوعية الإسلام لأنه، مع شبهه للأديان الأخرى في الاعتراف بالألوهية واحترام الوحى، يمتاز بهيمنته على أزمَّة الحياة النفسية والاجتماعية، ومزجه التام بين أحوال القلب وأحوال الدولة. فالشرك بالله كفر. والحكم بغير ما أنزل كفر. وجحد الصلوات المكتوبة كفر. ورفض نظام المواريث المقسمة في القرآن كفر... الخ. وقديما قاتلت الدولة الإسلامية في جبهة واحدة صنفين من الناس. أتباع الأنبياء الكذبة الذين زعموا أن بعد محمد نبوة. ومانعى الزكاة الذين صدقوا بعض تعاليم الدين ونكلوا عن بعضها الآخر. لقد عدهم المسلمون مرتدين جميعا، وخارجين على الإسلام. ذلك أن الإسلام يمزج مزجا تاما بين ما نسميه في عصرنا"قيما روحية"وبين أركان الشريعة وفروعها المتشعبة في المجتمع تشعب الجهاز الدورى في الجسم الإنسانى. أيا ما كان الأمر فقد تواترت التصريحات على أفواه زعماء الشيوعية كلهم أن الدين لا مكان له في العالم الذى يبنونه، وأن الأولين إذا كانوا من الغباء بحيث قبلوه فإن التقدم العلمى جدير في هذا العصر بأن يأتى عليه من القواعد..!! فالدين يحارب أولا لأنه خرافة تستحق الزوال!!. ثم لأنه يشكل المجتمع بطريقة فاسدة، ويضع له قوانين وأعرافا يرفضها الفكر الشيوعى!!. ودين كالإسلام يعد النظم المالية والسياسية جزءا من كيانه يستحيل أن يتلاقى مع الشيوعية في ميدان العقيدة القلبية. وقد واجهت الشيوعية يوم ظهرت في روسيا أكثر من مائة مليون مسيحى وقريبا من خمسين مليون مسلم وكانت الحالة الدينية بين الفريقين معا لا تسر. فالمسلمون ـ كما سنشرح حالتهم في الفصل التالى ـ كانوا مستذلين مغلوبين على أمرهم معزولين عن الكتلة الإسلامية الكبرى، دائخين تحت استبداد القياصرة... 021