فهرس الكتاب
ونخلص من هذا الاستطراد إلى أن الحالة الدينية في ظل الشيوعية لا تشبه أبدا وضع الدين في الغرب. فإن المجتمع الشيوعى يقوم ظاهرا وباطنا على الكفر المطلق. وهو قد يأذن أن يهمس رجل بينه وبين نفسه أو بينه وبين صاحب له باسم الله وقد يتركهما ـ مع أزرائه عليها يدخلان بيتا لله. أما أن يكون لله في المجتمع نفسه اسم أو أمر أو نهى فذاك مستحيل. والشيوعية لم تسمح بهذا القدر الحقير من التدين الفردى إلا بعد عرك هائل. أما موقفها من الدين نفسه ابتداء فهو الإنكار والخصام. يقول"كارل ماركس"فى"المانفستو"الذى أودع فيه مبادئه وجادل فيه خصومه:"أما ما وجه للشيوعية من تهم دينية وفلسفية وأخلاقية فلا يستحق بحثا عميقا ..". عجبا.. إن الشيوعية متهمة بإنكار الله والرسل والحلال والحرام والبعث والجزاء فهل هذه القضايا كلها لا تستحق بحثا عميقا؟ ذاك ما يراه هذا"الكارل ماركس"!! ما الذى يستحق إذن عمق البحث؟ لقمة الخبز فقط..؟ أكل ما يتصل بالإنسانية الرفيعة نلقاه بقلة الاكتراث وهز الرأس ولا يشد انتباهنا فقط إلا رغيف الخبز؟ ثم يمضى ماركس قائلا:"هل يخفى على ذى بصيرة أن آراء الناس ومداركهم ومشاعرهم كلها تتغير بتغير أحوالهم المادية وعلاقاتهم الاجتماعية ونظام معيشتهم"؟. نقول: هذا باطل. فإن الإنسان قد يتغير تقديره لبعض الأمور أو إحساسه بها لتفاوت ظروفه النفسية أو الفكرية أو البدنية. أما أن جميع الحقائق تتبع - تصورا وتصديقا - الأحوال الاقتصادية فكلام فارغ فكم من حقائق صلبة لا يغيرها اليسر والعسر، لا الذكاء والغباء؟ ولكن ماركس يمضى في لغوه فيقول في جزم:"وهل من شىء أكثر وضوحا في تاريخ تطور الأفكار من أن الإنتاج الفكرى يتغير في نوعه بنسبة تغير الإنتاج المادى؟ 026"