فهرس الكتاب
وفى وسط هذا البحر الموار من الاستباحة العامة قد يختار رجل أنثاه أو تختار أنثى رجلها.. وتولد أسرة ويوجد أولاد. وربما اصطبغت الأسرة بالطابع الدينى في الغرب المسيحى. وربما استطاعت السير وسط الأنواء الجنسية سليمة أو معطوبة.. وقد يحدث شىء شبيه بهذا في العالم الشيوعى فتتكون أسر بادية الترابط تحت ظروف خاصة.. غير أن الشيوعية ترفض بحسم جو الأسرة الموروث من قديم، والمشاعر التى تمزج بين رب البيت وأولاده وامرأته.. وقد جاء في الأبجدية الشيوعية لماركس"حين يقول الوالدان: هذا ابنى وتلك ابنتى لا تعنى هذه الكلمات وجود آصرة أبوية فحسب، بل توحى بأن للأبوين حقا في تربية أولادهم من وجهة نظرهم كما يريدون، والاشتراكية تأبى الإقرار بهذا الحق للآباء لأن الفرد ليس ملك نفسه ولكنه ملك للجماعة، بل هو ملك للبشرية كلها. ولهذا يجب أن ينتمى الطفل للمجتمع الذى يعيش بين ظهرانيه، والذى جاء إلى الحياة بفضله.."وكلام ماركس في سلخ الأولاد عن التأثير المادى والأدبى للبيت، وتمكين الدولة من مد رواقها عليهم، هو جزء من فكرته المطلقة في فرض الشيوعية على الحاضر والمستقبل، وتذليل كل عائق أمام هذا الهدف.. والأسرة في نظر الدين كيان تطرد به مواكب الحياة باسم الله، وعلى هداه.. إنه لا نزاع في وجود الشهوة لدى الجنسين، بيد أن لقاء الرجل بامرأته ـ وهو اللقاء الوحيد الذى يقبله الدين ـ لا يتم إلا بعقد تستحل فيه الفروج بكلمة الله وإذنه.. فإذا تكونت الأسرة على هذا الأساس الفذ، تعاون أفرادها من بعد على طاعة الله وإرضائه، وكان من الطبيعى أن ينشأ الأولاد على دين أبويهم، وأن يقيموا شعائر الدين منذ نعومة أظفارهم.. والشيوعية ترفض هذين الأمرين معا، في قيام الأسرة في وظيفتها. لأن الإلحاد ـ كما يقول لينين في كتابه عن الدين ـ جزء طبيعى من الاشتراكية، بل هو شطر لا انفصام له عن الاشتراكية نظريا وعمليا.. 029