الصفحة 59 من 159

إن هذه الصورة المخزية تورث كفرانا ومروقا، ولعلها تشعل في قلوب الشيوعيين أحقادا لا يخبو لها ضرام.. ومع إنكارنا ما نحن لهذه المآثم ـ باسم الله ومع أن صوتنا كان أجهر وأسبق في التحذير منها ومن عقباها، إلا أن هذه الأخطاء لا تسوغ الانحراف إلى الشيوعية، ولا تعطى للتفكير الشيوعى شيئا من الوجاهة. بل لقد ظهر من التطبيق العملى للشيوعية أن لصوص السلطة أخطر على البشرية من لصوص الثروة، وأنه في ليل الاستبداد الطويل ـ حيث تسود الشيوعية ـ يفتك الحكم الفردى بالغالى والرخيص من حقوق الجماهير كما يذهب بإهدار العلماء وأصحاب الامتياز على الإجمال.. ثم أين تكافؤ الفرص يوم يكون الحكم حكرا على حفنة من الرجال الذين وصلوا بطريقة ما إلى رأس الهرم؟!. إن دسائس القصور القديمة تأخذ صورة أخرى في هذا الطراز من الحكم، فلا عجب إذا انتقل رجل من منصب الوزارة إلى السجن أو من منصب الرياسة إلى البيت دون تدخل الجماهير أو مشورتها.. ومع أن الشعب آخر من يعلم بهذه التقلبات فهى تتم باسمه!! لقد بذل العالم تضحيات جسيمة حتى ظفر بالحريات التى تحفظ حقوقه المادية والأدبية، بيد أنه ـ من غير عوض حقيقى ـ ترك هذه الحريات كلها، لعصابة من الرجال الذين زعموا لنفسهم العصمة أو القداسة أو الولاية على الشعوب، وهذا هو لباب النظام الشيوعى. إن الانفراد بالسلطة شىء خطير جدا فإن نشوة السلطة أعتى من نشوة الخمر، وإذا كان المال الواسع يورث الطغيان فإن الاستبداد بالحكم يورث الجبروت والإرهاب.. وما أتعس أمة تلقى زمامها لفرد فذ يتصرف فيه كيف يشاء، أو للجنة مغلقة تتداول الأمر بينها، وتستوحى فيه أولا وأخرا مذهبا اعتنقته أو رأيا تشبثت به. ومن هنا فإن الحكم الفردى لا ينفك أبدا عن المعتقلات المزحومة، والمحاكمات المزورة، والأوامر المبهمة، وسلسلة التعليمات التى تهبط من أعلى إلى أدنى دون استبانة أو استشارة. فمن اعترض التنفيذ، أو أبطأ فيه، فالسجن منه قريب. ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت