الصفحة 74 من 159

وقدمت لى أطيب المآكل والوجبات. ولم يكن- على طول المدى- يقدم لى إلا ما هو أبدع وأفخم وأطيب. 079

ولله أى استقبال كنت في كل موضع أجده؟ وأية حفاوة تلك التى لقيتها أينما نزلت؟ لقد كنت أبدا موضع التكريم والترحاب، وكان القوم يرون كل هذا قليلا في حقى، ويسير لمثلى. حتى لقد عدت وأنا حافل الذاكرة بآيات الحفاوة التى شهدتها والخطوات التى ظفرت بها. ولكنها مع ذلك ظلت تذكرنى أبدا بالامتيازات والفوارق التى كنت أرجو أن أرى"المساواة"فى مكانها، والمعدلة قد حلت في روسيا محلها..!! وحين هربت من كبار الموظفين، ومضيت أختلط بالعمال تبين لى أن أكثرهم يعيشون في أبشع صنوف الفاقة، في الوقت الذى كنت أجلس فيه إلى مأدبة فاخرة كل ليلة، وأرى الخوان حافلا بالأطايب ومختلف المشهيات.. حتى لتكفى هذه المشهيات لإشباع النفس قبل أن يبدأ الطعام ذاته! وهو عشاء من ستة ألوان منوعة، يستغرق المرء في الجلوس إليها عدة ساعات، ولم أترك مرة واحدة حرا أدفع قائمة الحساب. وليس في إمكانى أن أقدر نفقات هذه المآدب، ولكن صديقا لى أوتى علم الأسعار في روسيا أنبأنى أن الشخص الواحد في هذه الولائم يكلف مائتى روبل أو ثلثمائة، بينما كان العامل الواحد من العمال الذين لقيتهم لا يتقاضى من الأجور أكثر من روبلات في اليوم، وهو القانع بالخبز الأسود والسمك المجفف. وكان إعجابى موجها بنوع خاص في روسيا إلى الانبعاث غير المألوف نحو التعليم والثقافة. ولكن المحزن أن التعليم الذى يتلقاه الشعب لا يتعدى تلقينه الزهو والتفاخر بالحاضر، والإيمان المطلق بالاتحاد السوفيتى، وأن الثقافة إنما ترمى إلى هدف واحد هو تمجيد هذا الاتحاد والتسبيح بحمده. فهى ليست ثقافة نزيهة مجردة من الهوى، ولا هى بتثقيف للعقول وتربية لملكة الحكم على الأشياء. إن النقد لاوجود له مطلقا في تلك البلاد. ولست أجهل أنهم يجعلون من انتقاد أنفسهم استعراضا، ويتظاهرون به تظاهرا، حتى لقد اعتقدت فى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت