منهم أحدا، أو بعبارة أصح، لقد ذهبت إلى روسيا لكيلا أجد للفاقة فيها أثرا.. 081
ولكن الفاقة هناك يعبس في وجهها أينما سرت، وتقابل بالإعراض والتجهم والاشمئزاز من السادة الذين حالفهم الحظ. حتى ليخيل للمرء أنها الفاقة الأثيمة الناشئة في أحضان الإجرام، فلا تثير شفقة ولا تبعث على العواطف والإحسان بل ينظر إليها بعين الازدراء والاحتقار. وما أولئك الذين يتراءون متكبرين مزهوين إلا الذين اشتروا كبرياءهم وتوفيقهم بثمن هذه الفاقة العامة، وعلى حساب هذا الفقر الشامل"!! هذه الصورة الكالحة هى صورة المجتمع الإنسانى الراقى كما نسجت الشيوعية خيوطه وأوضحت معالمه..!! ولما كنا في عصر يجيد اللعب بالألفاظ فإن هذا الهوان العام سمى حكم الشعب واعتبر تحقيقه تلبية لنداء الجماهير!! وقد ألفنا في الشيوعية أن الحاكم بأمره يتحدث دائما باسم الأمة. وأن حراس الإرهاب المسلح يسمون أنصار السلام. وأن نقصر دعائم الدين يسمى المنهج العلمى. وأن العودة إلى الحيوانية الأولى تسمى تقدمية إلى غير ذلك من المتناقضات.. وظاهر من الدراسة والتطبيق معا أن الشيوعية مذهب سياسى يتوسل بالوسائل الاقتصادية لإدراك مآربه. وأنه لو كان فكرة اقتصادية لمصلحة الجمهور لكان الجمهور هو صاحب الرأى الأول والأخير في أخذ أو ترك ما يراه أضمن لمصالحه وأضبط لشئونه. لكن ما يقع هو العكس، فالجمهور يتجرع كارها متاعب هذا المذهب ونقائضه. فإذا تململ قيل له: حذار أن تتحرك!! لابد أن ترضى بما يملى عليك!! ومن الذى يصدر هذه الأوامر؟ حفنة من الرجال أحاطوا أنفسهم بقداسة مبهمة، وجعلوا من امتلاكهم للمال العام أو من سيطرتهم عليه فرصة لإتراف أنفسهم وأشياعهم، ثم توزع المسكنة والبأساء على سائر الناس..!! إن التاريخ لم يعرف حكما استبداديا حصن نفسه بمثل هذه السلاسل من الحصون.. 082"