وإذا كان العالم الخارجى لم يتنبه في ذلك الوقت إلى خطر الاستعمار الروسى في أواسط القارة الآسيوية فمرد ذلك إلى عوامل مختلفة. فمن جهة كان الناس في ذلك الوقت ينظرون إلى التوسع الروسى في تلك الجهات على أنه امتداد طبيعى فيما خالوه جزءا متمما لبلاد سيبريا التى كانت روسيا تتملكها منذ القرن السابع عشر. وساعد على ذلك أن آسيا الوسطى- سواء من حيث موقعها الجغرافى أو من حيث ظروفها الأخرى- كان يكتنفها ستار من الظلام، فبدلت كما لو كانت جزءا متمما لأملاك روسيا الآسيوية التى لم يكن يعرف عامة الأوربيين عنها في ذلك الوقت إلا القليل. ومن جهة ثانية فإن الاستعمار عن طريق البر أو الاستعمار"من الباب للباب"لم يكن لافتا للنظر كاستعمار البلاد النائية التى تقع فيما وراء البحار. ومن جهة ثالثة فإن معظم شعوب آسيا وإفريقية التى كانت لها وعى سياسى أو قومى كانت مشغولة في ذلك الوقت بمقاومة الاستعمار الغربى. ومن ثم كانت الحملات القومية في هاتين القارتين كلها منصبة على التى تشغل أواسط القارة الآسيوية دون أن تلتفت إليها الأنظار. وهكذا كان من حسن حظ روسيا القيصرية- شأنها في ذلك شأن روسيا السوفيتية الآن- أنها لم تكن مضطرة إلى ركوب البحر في توسعها الاستعماري. على خلاف ما كانت عليه حال الدول الاستعمارية الأخرى التى كانت مضطرة بحكم موقعها الجغرافى إلى البحث عن مستعمرات لها فيما وراء البحار. في بلاد لا تربطها بها روابط الجوار الجغرافى. لذلك كان توسع الروس في أواسط آسيا يجرى في ذلك الوقت بعيدا عن أعين الناس رغم أنه كان استعمارا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. وأما المسلمون أنفسهم في سائر بلاد العالم فإنهم لم يشعروا بوطأة هذا الاستعمار الخفى ولم يدركوا ما سوف يكون له من أثر في حياة نيف وأربعين مليون من إخوانهم المسلمين يعيشون تحت ظل روسيا القيصرية لأنهم كانوا في شغل شاغل بشئونهم الخاصة، يحاولون استخلاص أنفسهم