ومنذ ذلك الحين أخذت تستخدم أساليبها الاستعمارية التقليدية لتقويض كيان تلك البلاد، فعمدت إلى تقييد الحريات إلى أدنى حد ممكن، واستغلت كل ما فيها من موارد من القطن والمعادن استغلالا سافرا لا يمنعها من ذلك مانع. وقبل أن نتكلم عن الأرض الإسلامية المنهوبة، والشعوب الإسلامية الذائبة داخل الاتحاد السوفيتى أرى أن أتوجه بالحديث إلى المسلمين العرب، وهو حديث ذو شجون ومآخذ: وخير لنا أن نتصارح بأخطائنا وخطايانا قبل أن نلوم غيرنا.. إن الناس هنا يسمعون أخبار المسلمين في أرجاء العالم وكأنهم يسمعون أنباء جنس غريب. ويصغون إلى أحوال المسلمين تحت الحكم الشيوعى وكأنهم يصغون إلى أحوال العالم الآخر، عالم ما وراء المادة إ! لقد تمزقت الجامعة الإسلامية شر ممزق، ونال منها الشيطان مبتغاه!! أما التاريخ الإسلامى العام لهذه الأمة الإسلامية الكبيرة منذ انطلقت مع الزمان السائر، تؤدى رسالتها، وتبلغ هدايتها فهو للأسف تاريخ غامض.. كنت يوما في الجامع الأزهر متجاوزا صحنه المكشوف إلى أروقته المغطاة. وفى بقعة مهجورة يداريها شبه خفى وجدت مقبرة بها جثمان جوهر الصقلى بانى الأزهر والقاهرة. فقلت لصاحب يسير معى: هل يدرى الأزهريون شيئا عن موطن هذا الرجل؟ إن جمهرتهم وجمهرة المثقفين معهم، لا يدرون متى دخل الإسلام صقلية؟ ولا كيف أبيد فيها، أو انسحب منها؟ وكذلك الحال بالنسبة إلى جزر البحر الأبيض كلها، وإلى مواطن إسلامية كثيرة في أوروبا وآسيا وإفريقيا.. إن تاريخ الإسلام السياسى لا يدرس للأسف البالغ دراسة تمحيص واستيعاب. بل إن مسير الدعوة الإسلامية لا يتابع في الجامع الأزهر متابعة تعرف واستقصاء!! ونشأ عن ذلك أن القافلة الإسلامية التى انطلقت برسالتها الجليلة منذ أربعة عشر قرنا عرضت لأهلها محن رهيبة خلال القرون الأخيرة. كان يجب أن تعرف بدقة لتحظى بفكر واحد وشعور مشترك. 092