فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله تعالى: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ } ، فقوله: { مِنْ حَرَجٍ } نكرة في سياق النفي زيدت قبلها (من) والنكرة إذا كانت كذلك ، فهي نص في العموم، كما
تقرر في الأصول [1] ، قال في (مراقي السعود) [2] عاطفًا على صيغ العموم:
وفي سياق المنفي منها يذكر ... إذا بني أو زيد من منكر
فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج ، والمناسب لذلك كون (من) لابتداء الغاية ؛ لأن كثيرًا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال ، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة.
ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما [3]
(1) ينظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي 2/ 343 ، وروضة الناظر لابن قدامة 2/683 ، وشرح الكوكب المنير لابن النجار 3/136.
(2) مراقي السُعُود لمبتغي الرقي والصعود في أصول الفقه لسيدي عبدالله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي (المتوفى سنة 1230هـ ) ، راجعه وصحح متنه: د. محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى ، 1416هـ، ص49 .
وينظر: نثر الورود على مراقي السعود لمحمد الأمين الشنقيطي، 1/253.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة ، باب"قول النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"رقم (438) ص37 بنحوه .
وأخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب (المساجد ومواضع الصلاة) رقم (1163) ص759 بمعناه.