والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضًا أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب: 43 ] ؛ لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته ، وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا ، وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضًا ، وكذلك قوله تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التوبة: 117] ، فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم ، الجارة للضمير الواقع على النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار ، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضًا والعلم عند الله تعالى ] [1] .
فالراجح عند الشنقيطي - يرحمه الله - أن ( الرحمن ) أشد مبالغة من ( الرحيم ) ، فالرحمن رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم خاص بالمؤمنين في الآخرة .
دراسة الترجيح:
قال أكثر المفسرين: إن (الرحمن) أشد مبالغة من ( الرحيم ) وهو عام لجميع الخلائق في الدنيا ، وللمؤمنين في الآخرة ، أما الرحيم فهو خاص بالمؤمنين في الآخرة ، ومن القائلين بذلك الآتي ذكرهم:
الطبري [2] ، والسمرقندي [3] ،
(1) أضواء البيان 1/47 وما بعدها .
(2) جامع البيان 1/128 وما بعدها .
(3) بحر العلوم للسمرقندي ، تحقيق: علي معوض وعادل عبدالموجود وزكريا النوتي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1413هـ ، 1/77 .
... والسمرقندي هو: نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي، الفقيه أبو الليث، له تصانيف مشهورة منها: (تفسير القرآن العظيم المشهور ببحر العلوم ) ، و ( النوازل في الفقه ) ، و ( تنبيه الغافلين ) وغيرها ، توفي سنة 393هـ .
... ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 16/322 ، وطبقات المفسرين للأدنه وي ص 91 .