الذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن الآية محكمة غير منسوخة ؛ لأن الله تعالى لم يأمر بالعفو مطلقًا، وإنما أمر به إلى غاية، وبيَّن الغاية بقوله: { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } وما بعد الغاية يكون حكمه مخالفًا لما قبلها، وماهذا سبيله لا يكون أحدهما ناسخًا للآخر، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر محتاجًا إلى حكم آخر [1] .
قال الألوسي - رحمه الله - مضعفًا القول بالنسخ: (( واستشكل ذلك بأن النسخ لكونه بيانًا لمدة الإنتهاء بالنسبة إلى الشارع، ودفعًا للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خاليًا عن التوقيت والتأبيد ؛ فإنه لو كان مؤقتًا كان الناسخ بيانًا له بالنسبة إلينا أيضًا ، ولو كان مؤبدًا كان بدءًا لا بيانًا بالنسبة إلى الشارع ، والأمر ههنا مؤقت بالغاية ، وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بيانًا لإجماله ، وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الرازي [2] ، وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تُعلم إلا شرعًا لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخًا ويحل محل { فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا } إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة: 187] ) ) [3] .
وقال ابن الجوزي عن هذه الآية: (( زعم قوم أنها منسوخة بآية السيف، وليس بصحيح؛ لأنه لم يأمر بالعفو مطلقًا بل إلى غاية ، ومثل هذا لا يدخل في المنسوخ ) ) [4] .
(1) ينظر: نواسخ القرآن لابن الجوزي ص40 .
(2) ينظر: التفسير الكبير 3/221 .
(3) روح المعاني للألوسي 1/358.
(4) المصفى بأَكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ( المتوفى سنة 597 l ) ، تحقيق د.حاتم الضامن، عالم الكتب، بيروت ، مكتبة النهضة العربية ، الطبعة الأولى، 1409هـ، ص15.