في الروضة في (روضة الطالبين) قال الإمام النووي:"هو مستحب فإن عفا بعض المستحقين سقط القصاص وإن كره الباقون ولو عفا عن عضو من الجاني سقط القصاص كله". طبعًا هذه مسألة فيها تفصيل بين الفقهاء لكن الشاهد هنا جواز العفو؛ لكن اختلفوا أيهما أفضل، العفو أم القصاص نفسه، العفو أفضل أم القصاص؟
هناك اختلاف بين العلماء في هذه المسألة فمن يقول العفو أفضل استند إلى قول الله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ، ويقولون بالرغم من أن القصاص حق لصاحب الدم وهو بذلك مخول أن يستوفي هذا الحق بإنزال عقوبة القصاص على الجاني لكنه مع ذلك يجب التنبيه إلى أن العفو خير على من يقول بذلك، خير وأفضل من القصاص وذلك لما في العفو من إحياء لنفس عسى أن تتوب إلى ربها بصالح الأعمال وتجتهد ما استطاعت في صنع الخيرات والحسنات وفي أفضلية أفضل لأولياء الدم. طبعًا ليس واجب عليهم العفو. تنبيه نحن نتكلم في مسألة الأفضلية، هل هو يطالب بالقصاص ولا العفو؟، من حقه هو أن يقتص ومن حقه هو أن يعفو ولكن نحن نقول أيهما الأفضل؟ هنا علماء يقولون هناك نصوص تدل على أفضلية العفو لقول الله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفي وأصلح فأجره على الله} ، كما في سورة الشورى. وقوله -عز من قائل-: {والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له} ، كما في سورة المائدة، وقوله: {ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور} ، كما في سورة الشورى أيضًا، وقوله تعالى: {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا} ، المقصود هنا أحياها بالعفو؛
ومن أدلة السنة: ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم والترمذي بإسنادهم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزة وروى ابن ماجة والترمذي عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة) ، يستدل بهذه النصوص على أفضلية العفو الذين يقولون بالعفو وأنه خير من القصاص في هذه الحالة.
الإمام الشوكاني استعرض لنا هذه المسألة وقال في (نيل الأوطار) عندما قال:"والترغيب ثابت بالأحاديث الصحيحة ونصوص القرآن الكريم ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى"