من ماذا؟ - حتى الذي أفتى بمذهب مالك، هذه الحالة لا تنطبق على شرط الإمام مالك!، لأن الإمام مالك مثل بقية المذاهب لا يقاد والد بولده إلا إذا أضجعه ليذبحه، لأن المسألة عند الإمام مالك أن هذه تختلف، هذا رجل كان غاضبًا جدًا، ورجل لا يجد، لا يعرف، لا يوجد عنده مال، ولا عنده شيء، وفي حالة هياج وغضب، فصار الرجل في الشارع، فهو لم يذبح ولديه، ولم يضجعهما، هو أخذهما وصار بهما وراح رمى نفسه بهما، يعني ألقى بنفسه وبهما في البحر، لماذا؟ آيسًا من حالته الاقتصادية. رجل تعبان من حالته الاقتصادية، وقلة ذات اليد، فنجى وغرق ولداه.
فأخذوا بمذهب مالك هنا، أخذوا بمذهب الإمام مالك يقاد الوالد بولده إذا أضجعه ليذبحه، مع أن الحالة هذه ليست لها علاقة بالوالد!، هو لم يذبح، ولم يفعل مثل شرط الإمام مالك، ولكن هذا رجل كان يائس من حياته راح رمى نفسه وولديه. ولكن نأتي مرة أخرى نقول الرأي الراجح الذي نميل إليه حتى ننتهي من هذا الدرس الآن، أقول: أرى أن الرأي القائل بعدم قتل الأب بولده هو الصواب، والأقرب إلى روح الشريعة للأسباب التي ذكرها الجمهور.
فيه كلام نفيس للإمام الكاساني في بدائعه، في (بدائع الصنائع) للإمام الكاساني يقول: -حيث وضح الفرق بين اعتداء الوالد واعتداء الولد- قائلًا:"ويقتل الولد بالوالد لعموم القصاص من غير فصل، ثم خص منها الوالد بالنص الخاص -يقصد (لا يقاد والد بولده) لأنه هو عندهم صحيح. نحن نقول إيه الرأي الآخر يقول لك هو ضعيف، يعني مثل الأحناف عندما يقولون لا قود إلا بالسيف، عندما تكلمت في الدرس الماضي لا قود إلا في الدرس هذا عندهم هم صحيح، أما الآخر الذي يضعفه هو لا يلتزم بالحديث لأنه يقول إن هذا حديث ضعيف. إذن لا نقول إن الناس مثلًا تخترع، أو هذا إصرار عجيب من الأحناف مثلًا في هذا الرأي، هم والجمهور يستندون ويصححوا الحديث، فأنت لا تتخيل أن الناس تخالف وتتعمد، لا، هذا هو السر في أنهم اعتمدوا على أنه لا يقاد والد بولده.- فبقي الولد داخلًا تحت العموم، ولأن القصاص شرع لتحقيق حكمة الحياة بالزجر والردع، والحاجة إلى الزجر في جانب الولد لا في جانب الوالد، لأن الوالد يحب ولده لا لنفسه بوصول النفع إليه من جهته، أو يحبه لحياة الذكر لما يحي به ذكره، وفيه أيضًا زيادة شفقة تمنع الوالد عن قتله، أما الولد فإنما يحب والده لا لوالده بل لنفسه، وهو وصول النفع إليه من جهته، فلم تكن محبته وشفقته مانعة"