وتصارع الأحزاب -والأفراد- على السلطة أبعد ما يكون عن كونه تصارعًا شريفًا ؛ حيث يسرف أحدهما في اتهام الآخر بشتى التهم ولا يهم إن كانت بالحق أو بالباطل ما دام ذلك يمكن أن يقرب أحدهما خطوة نحو الفوز في الانتخابات!! فالجمهوريون في فرنسا خلال القرن الماضي كانوا يتهمون الملكيين فيما يتهمونهم بالاعتداء على حريات الشعوب الأخرى،مما جعل العرب يستبشرون ويتوقعون الخير منهم ، ولكن ما إن تسلطوا على الحكم في فرنسا حتى ازدادوا خنقًا لحريات هذه الشعوب وصاروا يتفاخرون بكونهم استطاعوا أن يخضعوا لحكم فرنسا من الشعوب الأخرى ما لم يستطع الملكيون مجاراتهم فيه !! ولذلك أظهر الطهطاوي وغيره خيبة الأمل فيهم وإن كانوا لم يغيروا موقفهم المؤيد لهؤلاء الأحرار وحماة الحرية!! وما حدث للطهطاوي في فرنسا حدث للأفغاني مع الحزب الحر في الحكومة البريطانية، إذ نادى الأفغاني مع المنادين بالإشادة بهذا الحزب -حزب الأحرار- الذي كان يدّعي أن كل الحروب الاستعمارية والتعديات على حقوق الإنسان كأفراد وكشعوب هو من أعمال المحافظين ، ولكن ما إن وصلوا إلى السلطة حتى أكدوا كل ما فعله المحافظون من انتهاكات للحريات في الهند وإيرلنده وغيرها ! وزادوا على ذلك مستمرين في ذات السياسة الاستعمارية ، وشنوا حربهم على مصر واحتلوها، وكأن معارضتهم كما قال الأفغاني للحكومة السابقة"والمحاماة عن الحق آلة للوصول إلى باطلهم، أو عموا عن معرفته بعدما استقروا على منصة الحكم واستبدوا بالأمر" (1) .
فنجد المرشح على هذا الحزب يكيل الاتهامات للمرشح عن ذاك الحزب الآخر المنافس والتي أقلها الاتهام بالكذب والخداع والنفاق وقلة الخبرة وقلة المعرفة الخ... والتي أي منها عند ذوي النظر لا تسقط هذا المرشح وتجعله غير مؤهل لتولي مسؤولية الأمة ، وإنما تسقط الاثنين معًا، أحدهما لقلة الكفاءة والآخر للاستهتار والسفاهة بالتشهير بالآخرين لتحقيق مكاسب خاصة!!
(1) …علي شلش: الأعمال المجهولة، الأفغاني ص 103.