بينما في بلادنا العربية فالأحزاب ذات الانتماءات المختلفة لا حصر لها وكل منها يريد التسلط في الحكم وأصغر وأضعف حزب يمكن أن يصبح الأقوى والأكثر تأثيرًا في وقت الحاجة بما يتلقاه من دعم أصحاب المصالح من الأجانب، فإن كانت الديمقراطية في الدول التي ابتدعتها لعبة يلعبها أبناء الأمة فيما بين بعضهم البعض أو تمثيلية المخرجين والممثلين فيها من أبناء البلاد ؛ فإنها في البلاد الأخرى وخاصة في الدول النامية تصبح لعبة يلعبها الأجانب ، ودور أبناء الأمة فيها لا يتعدى دور حجر الشطرنج، أو تمثيلية يخرجها الأجانب بممثلين من أبناء الأمة. وقد حاولت الدول الأوروبية في أول الأمر حصر أمر الديمقراطية في البلاد التابعة لها، بحزبين أو أكثر لهما ذات العقيدة العلمانية المستوردة منها ويعملان بتوجيهاتها ليتناوبا الأدوار كما هو حال الديمقراطية في موطنها ، ولكن لم يكن ذلك ممكنا لعدة أسباب منها ما يلي: -
أن العقيدة الإسلامية السائدة في البلاد والمعارضة للعلمانية ظلت حية ولم تستطع الضربات التي وجهوها إليها أن تنال من حيويتها بما يكفي للقضاء عليها، بل ظلت تشكل اتجاها مخالفًا تمامًا للاتجاه العلماني التابع لهم.
إن التنافس الشديد بين الدول الأوروبية وخاصة بين فرنسا وبريطانيا على السيطرة على البلاد العربية وإخضاعها لتبعيتها جعلت هذه الأحزاب العلمانية ذات العقيدة الواحدة والتي تنطلق من فلسفة واحدة تنقسم بحسب انتماءاتها لهذه أو تلك من الدول المتنافسة ؛كما حدث في حالة الأفغاني وخروجه من المحفل الماسوني البريطاني وانضمامه إلى المحفل الفرنسي، مع أن الماسونية كعقيدة هي ذاتها! مما زاد من تشتت الأحزاب.