الصفحة 73 من 102

تحايل بعضهم فسمى ديمقراطية أثينا بالديمقراطية المباشرة . واقترح أن تكون الديمقراطية الحديثة ديمقراطية غير مباشرة ، أو ديمقراطية تمثيلية ، أي ديمقراطية يختار فيها الشعب فئة قليلة منه ممثلة له وحاكمة باسمه . كان هذا التحايل ضروريًا ، لأنه كانت هناك أزمة سيادة: من هو الجدير بأن يكون السيد الآمر الناهي الذي لا معقب لحكمه ؟ كانت هذه السيادة للملوك ، وكانوا يعدون هذا الحق حقًا إلهيًا أعطاهموه الله تعالى ، لأن الناس كانوا قبل ذلك مؤمنين يعتقدون أن مثل السيادة لا تكون إلا لله أو لمن أعطاها الله له ، لكن الناس لم يعودوا يؤمنون بهذا بعد الثورة الفكرية الكبيرة التي حدثت في قرنهم الثامن عشر ، والتي كانت في مجملها دعوة للانسلاخ من حكم الدين في كل مجال من مجالات الحياة . لم يكن هناك من بديل لحكم الله أو لحق الملوك المقدس في الحكم ، إلا أن يقال إن الحكم للشعب كله ، فهو صاحب الكلمة الأخيرة فيما ينبغي أن يكون أو لا يكون . لكن الديمقراطية المباشرة عن أن تكون حكمًا للشعب ، وذلك:

لأن الحكم له معنيان: حكم تشريعي ، وحكم تنفيذي . فبأي معنى يحكم الشعب ؟ لا يمكن ان يحكم بالمعني الثاني ، لأن الشعب لا يمكن أن يكون كله رأس دولة أو مجلس وزراء أو قائد جيش ، وكان الفيلسوف الفرنسي رو سو أول من سخر من الديمقراطية بمعنى الحكم التنفيذي ، فقال:

إذا أخذنا العبارة ـ يعني كلمة الديمقراطية ـ بمعناها الدقيق ، فإنه لم تكن هناك قط ديمقراطية حقيقة ، ولن تكون . أنه من المخالف للنظام الطبيعي أن تكون الأغلبية حاكمة والأقلية محكومة . إنه لا يتصور أن يكون الشعب مجتمعًا دائمًا لقضاء وقته في تصريف الشؤون العامة . ومن الواضح ِأنه لا يمكن أن يكون لجانًا لهذا الغرض إلا بتعبير شكل النظام الإداري .

لم يبق إذن إلا الحكم بمعنى التشريع ، لكن الشعب ليس هو المشرع في الديمقراطية النيابية ، وإنما هو الذي ينتخب من يشرع ومرة أخرى نستمع إلى رو سو ساخرًا من هذا:

إن الأمة الإنجليزية تعتبر نفسها حرة ، لكنها مخطئة خطاء فادحًا ، إنها حرة أبان فترة انتخابات أعضاء البرلمان ، وبمجرد أن ينتخبوا ، فإن العبودية تسيطر عليها ، فلا تكون شيئًا وكيفية استفادتها من لحظات الحرية القصيرة التي تستمتع بها تدل على أنها تستحق أن تفقدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت