الصفحة 89 من 102

وقد خَفَتَ بحمد الله هذا الصوت بل مُحق، فلم نعد نسمع به، ولم يعد أحد يجرؤ على ترديده بعدما تبين عواره وبعدما افتضح أمر الداعين إليه، وأنهم إنما كانوا يرددون كلامًا نقلوه من كلام أعداء الإسلام.

وإذا كانت هذه الصورة من إنكار النظام الإسلامي صورة فجة ومستقبحة، فإن هناك صورة أخرى لإنكار النظام الإسلامي ولكن بطريقة أكثر ذكاءً وأشد خبثًا من الطريقة الأولى، وهذه الطريقة تعتمد على الهجوم على مصادر التشريع في الإسلام، وإخراجها عن أن تكون مصدرًا للأحكام السياسية، وتوضيح ذلك فيما يلي:

تقوم هذه الوسيلة على التسليم بأن الإسلام له نظام سياسي ، وأن الإسلام دين ودولة، وهذا أمر لا غبار عليه، ثم ينطلقون من هذا إلى القول بأن مصادر الأحكام السياسية (الدستورية) إنما هي الكتاب والسنة فقط، ويرفضون بقية أدلة الأحكام الأخرى. حتى الإجماع عندهم مرفوض في مجال الأحكام السياسية ولو كان إجماع الصحابة رضي الله عنهم.

ثم يخطون خطوة ثانية في مجال تفريغ اعترافهم السابق -بأن الإسلام له نظام سياسي- من مضمونه فيقولون: إن ذكر القرآن الكريم للأحكام السياسية: إنما كان على سبيل القواعد العامة لا الأحكام التفصيلية؛ ومعنى ذلك أنه ليس هناك أحكام محددة يجب التقيد بها في مجال النظام السياسي، وإنما هناك قواعد عامة فقط هي التي يجب التقيد بها ، وما يترتب على ذلك من إدخال نظم أو طرق غربية إلى النظام الإسلامي بدعوى أنها لا تتعارض مع القواعد العامة.

ثم يخطون خطوة ثالثة لإفراغ المصدر الثاني عندهم وهو السنة من أن يكون مصدرًا للأحكام السياسية (الدستورية) فيقولون: إن الأحكام التي جاءت بها السنة منها ما هو تشريع دائم ، ومنها ما هو تشريع وقتي مرتبط بزمن النبوة، ويقولون -وهم في ذلك كاذبون- إن السنة المتعلقة بالأحكام السياسية (الدستورية) كقاعدة عامة هي من ذلك النوع الثاني الذي يُعد تشريعًا وقتيًا أو زمنيًا، ثم لا يكتفون بهذا القدر حتى يضيفوا إليه قولهم: ولا يوجد أحيانًا حد فاصل دقيق بين ما يعد من السنة تشريعًا دائمًا، وما لا يعد كذلك ، وبهذا الطريق يكون هؤلاء قد أفرغوا الكتاب والسنة من أي مضمون يتعلق بالاحتجاج بنصوصهما في مجال مسائل الفقه السياسي (الدستوري) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت