لقد كذبوا ونجحوا في كذبهم في تصوير تاريخ الدولة الإسلامية، على أنه تاريخ كله جهل وظلام وظلم وطغيان، ولم ينجُ من ذلك غير فترة قصيرة من عمر الدولة الإسلامية، وهي فترة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، وبعضهم يمدها لتشمل عصر الخلفاء الراشدين الأربعة ثم فترة عمر بن عبدالعزيز.
والخلافة الراشدة مدتها ثلاثون سنة، ومدة خلافة عمر بن عبدالعزيز سنتان، فيكون المجموع اثنين وثلاثين عامًا، فكأنه -على حسب كذبهم الذي نجحوا في توصيله إلى كثرة غالبة من المسلمين- أن الأربعة عشر قرنًا من الزمان، التي هي عمر الرسالة المحمدية، لم يوجد فيها النظام الإسلامي إلا في فترة أقصاها اثنان وثلاثون عامًا.
ومما يُؤسَف له أن كثيرًا من الناس مثقفين وغير مثقفين، بل وبعض طلبة العلم لا يكاد يعرف من تاريخ أمته المشرق المشرف، التي صالت وجالت وفتحت الممالك والبلدان شرقًا وغربًا وأقامت فيها نظام الإسلام، لا يكاد يعرف من ذلك غير فترة الراشدين ثم عمر بن عبدالعزيز، وبعضهم قد يضيف إليه صلاح الدين.
وعلى كلٍّ فإن توضيح هذه الحقائق التاريخية على وجه من السهولة واليسر، وتجلية التاريخ الصحيح لدولة الإسلام، وإزالة كل هذا الركام الزائف، الذي استطاع الدجالون إلصاقه بتاريخ الدولة الإسلامية، هو من الواجبات المهمة التي ينبغي على العلماء وطلبة العلم والكاتبين المسلمين الإسراع في تأديتها، وعدم التهوين من شأنها، أو حتى مجرد تأجيلها.
ومن وسائلهم أيضًا محاولة إلباس الديمقراطية ثوبًا إسلاميًا أو القول: إن الديمقراطية هي التطبيق العصري أو الحديث لنظام الشورى في الإسلام، ولا بأس - عندهم- في ترويج هذه الفرية من الاستعانة ببعض القواعد الشرعية المنضبطة بقواعد وضوابط الشريعة ؛ مثل المصالح المرسلة، وصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، واختلاف الفتوى باختلاف الأحوال أو الزمان، والاستعانة بهذه القواعد من غير مراعاة لضوابطها لترويج باطلهم المذكور بين الناس.
وهذه الوسيلة يكثر استخدامها في الأماكن التي فيها صحوة إسلامية، فلكي يمرروا الديمقراطية فيها، فلابد لهم من إلباسها زيًّا إسلاميًا.
والحديث عن الشورى حديث طويل، لكن الذي نود تقريره في هذا المقام: أنه لايوجد بين الشورى والديمقراطية نسب ولا سبب إلا كما يوجد بين الإسلام والكفر: