وجعل سبحانه زيادَته في أوقات معلومة على قدرِ رِىِّ البلاد وكِفايتها، فإذا أروى البلادَ وعمَّها، أذن سبحانَه بتناقُصِهِ وهُبوطه لتتم المصلحةُ بالتمكن مِن الزرع، واجتمع في هذا الماء الأمورُ العشرة التى تقدَّم ذكرُها، وكان
من ألطف المياه وأخفها وأعذبها وأحلاها.
ماء البحر: ثبت عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر:"هو الطَّهورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُه". وقد جعله الله سبحانه مِلْحًا أُجَاجًا مُرًّا زُعَاقًا لتمام مصالح مَنْ هو على وجه الأرض مِن الآدميين والبهائم، فإنه دائمٌ راكدٌ كثيرُ الحيوان، وهو يموتُ فيه كثيرًا ولا يُقبر، فلو كان حلوًا لأنتَنَ من إقامته وموت حيواناته فيه وأجافَ، وكان الهواءُ المحيطُ بالعالَم يكتسِبُ منه ذلك، وينتُن ويجيف، فيفسُد العالَمِ، فاقتضت حكمةُ الرَّب سبحانه وتعالى أن جعله كالملاحة التى لو أُلقِىَ فيه جِيَفَ العالَم كلُّها وأنتانُه وأمواتُه لم تُغيره شيئًا، ولا يتغير على مُكثهِ مِن حين خُلق، وإلى أن يَطْوِىَ اللهُ العالَم، فهذا هو السبب الغائي الموجب لملوحته. وأمَّا الفاعلىُّ، فكونُ أرضِه سَبِخَةً مالحةً.
وبعد.. فالاغتسالُ به نافع من آفات عديدة في ظاهر الجلد، وشربُه مُضِرٌ بداخله وخارجه، فإنه يُطلق البطن، ويُهزل، ويُحدث حِكَّة وجربًا، ونفخًا وعطشًا، ومَن اضطر إلى شربه فله طرق من العلاج يدفعُ به مضرتَه.
منها: أن يُجعل في قدِر، ويُجعل فوق القِدر قصباتٌ وعليها صوفٌ جديد منفوش، ويُوقد تحت القِدر حتى يرتفع بخارُها إلى الصُّوف، فإذا كثُر عَصَره، ولا يزال يفعل ذلك حتى يجتمع له ما يريد، فيحصل في الصُّوف من البُخار ما عَذُبَ، ويبقى في القِدْرِ الزُّعاق.
ومنها: أن يُحفر على شاطئه حُفرة واسعة يرشُح ماؤه إليها، ثم إلى جانبها قريبًا منها أُخرى ترشَح هى إليها، ثم ثالثةٌ إلى أن يعذُبَ الماءُ. وإذا ألجأتْه الضرورةُ إلى شُرب الماء الكَدِرِ، فعِلاجُه أن يُلقَى فيه نَوى المِشمش،
أو قطعة من خشب الساج، أو جمرًا ملتهبًا يُطفأُ فيه، أو طينًا أرْمَنِيًّا، أو سَويقَ حِنطة، فإنَّ كُدرته ترسبُ إلى أسفل.
مِسْكٌ: ثبت فى"صحيح مسلم"، عن أبى سعيد الخُدرىِّ رضى الله عنه، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"أطيبُ الطِّيبِ المِسْكُ".
وفى"الصحيحين"عن عائشة رضى الله عنها:"كنتُ أُطيِّبُ النبىَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يَحْرِمَ ويومَ النَّحْرِ قبل أن يطوفَ بالبيت بطيبٍ فيه مِسْكٌ".