الصفحة 113 من 166

الآن في زمان فقهاؤه كثر؛ وهنا لا يعني الفقه بمفهوم مصطلح المتأخرين أي الإحاطة بالمسائل الشرعية الفرعية، إنما هنا يتحدث عن الفهم عن الله، الفهم المطلق في مسائل الدين، سواءً كان في مسائل التوحيد أو الفقه أو العبادات، وهكذا، المهم الفقيه العالم بدين الله.

وجعلتُ أُقلّب، وبالفعل حتى حفّاظ القرآن في زمن رسول -الله صلى الله عليه وسلم- ليسوا بالكثرة الموجودة عند المتأخرين، بعضهم بالغ وقال: أنه لم يحفظ القرآن من الصحابة سوى ثلاث، وطبعًا هذا مبالغٌ به وغير صحيح، بل هو أكثر من ذلك، ولكن مما ذكر أن القلة هم الذين يحفظون القرآن، ولكن فقههم في دين الله -عز وجل- عظيم وإحاطتهم بمراد الله ومراد رسوله عظيم.

قال ابن مسعود:"وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ"؛ إذن المقصود هو الفهم، ولكن لا يمكن أن يُعد الرجل عالمًا إلا بوجود حفظٍ له، وهذا الذي قلناه مرةً في المنازعة في كلام العلماء الذي يدل على فقههم ويدل على شدة تحرّيهم، عندما يقولون:"هذا رجلٌ عقله أكبر من علمه"،"وهذا علمه أكبر من عقله"، ليس فقط العقل هو الفهم ولكن قلنا كذلك أن من العقل سياسة العلم، -ذكرنا هذا عندما ضربنا مثالًا في ابن حزم-.

لكن لنبقى الآن في مسألة: ما هو الأكثر فضلًا كثرة الحفظ أم كثرة الفقه؟

المطلوب هو اجتماع الاثنين؛ أن يكون الرجل حافظًا وأن يكون كذلك داريًا، وهذه مرتبة كبار الأئمة كالشافعي ومالك وأحمد وأبي عُبيد القاسم بن سلّام، كالأوزاعي وسعيد بن مسيب وأمثالهم، كبار الأئمة هؤلاء الذين كانوا يجمعون بين الرواية والدراية، بين الفقه وبين الحفظ، ولكن الأوزاعي -عليه رحمة الله- يقول: -وهو قولٌ كذلك للإمام أحمد وقولٌ للمتأخرين-:"إذا أردت الفهم فأكثِر، وإذا أردت الحفظ فقِل"؛ بمعنى إذا أنت أردت الحفظ لا يمكن أن تشتت ذهنك فتجلس ساعتين أو ثلاثة والشيخ يلقي عليك، ثم يقول لك ماذا حفظت؟! بل لا بد أن تسأل ماذا فهمت؟ ولكن إذا أردت أن تحفظ فخذ شيئًا قليلًا. ما هو الأفضل؟ في الحقيقة بحسب كلام ابن مسعود أن المُقدَّم هو الفهم، ولكن ينبغي أن يكون الفهم مبنيًا على ما هو من المحفوظ وخاصةً كلام الله وكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلام الصحابة والتابعين، فهذا ينبغي أن يحيط الرجل به شدوًا ولو قليلًا من الحفظ، ولكن المطلوب الأصلي هو الفهم، وهذا حديثٌ كما رأيتم هو نصٌّ في المسألة.

فالمقصود هو حصول الفهم، وليس كثرة الحفظ، وكان الأوائل في وقت من الأوقات يمدحون الرجل لكثرة حفظه، وضرورة الشيخ عند الأوائل لا للفهم ولكن للرواية، وكانوا يقصدون الشيخ في أكثر ما يقصدونه إليه لسند الحديث، أو سند الأثر، فهنا ضرورة الشيخ ولها أسبابها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت