الصفحة 115 من 166

"وَالشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ مَنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ محفوظةٌ في أصولها وفروعها؛ كما قال تَعَالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الْحِجْرِ: 9] "؛ والذِّكر هنا الكتاب والسنة.

"لأنهَا تَرْجِعُ إلى حِفْظِ الْمَقَاصِدِ التي بها يكون صلاح الدارين؛ وَهِيَ: الضَّرُورِيَّاتُ، وَالْحَاجِيَّاتُ، وَالتَّحْسِينَاتُ، وَمَا هُوَ مُكَمِّلٌ لَهَا وَمُتَمَّمٌ لِأَطْرَافِهَا، وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ قَامَ الْبُرْهَانُ الْقَطْعِيُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا، وَسَائِرُ الْفُرُوعِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهَا؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهَا عِلْمٌ أَصِيلٌ، رَاسِخُ الْأَسَاسِ، ثَابِتُ الْأَرْكَانِ."

بعد أن تكلم عن قضية قِسم ما كان من صُلب العلم؛ ذكر خصائصه، ومنها: أولًا كونه كُليَّا وكونه أصلًا من أصول الحياة، ومن ميزاته قال:"العموم والاطراد"، كونه ليس فيه اضطراب، كما قال الله -عز وجل-:"مثاني"وقال"متشابهًا"؛ متشابهًا: أي يُشبه بعضه بعضًا: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء/82] ، فكُليَّات الشريعة ليست متعارضةً وأحكام الشريعة ليست متعارضةً بل هي متوافقة؛ فأول صفة من صفات هذا الي من صُلب العلم: الاطراد؛ ومعنى الاطراد أنه يجري على سَنَنٍ واحدٍ دون اختلاف، وهو تحقيق المصلحة بحسب درجاتها التي تكلم عنها.

يقول:"إِحْدَاهَا: الْعُمُومُ وَالِاطِّرَادُ؛ فَلِذَلِكَ جَرَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ"

بمعنى أنه لا يهمنا لون الشخص ولا لغته ولا جنسه ولا صفته، ولذلك جرت الشريعة على الإطلاق لا يتخلّف أحدٌ عن دخوله في هذا النص إلا لعارضٍ آخر يُنشئه نصٌ آخر، هو الشارع، وليس هذا من تمام التعارض إنما هو من تمام التوافق.

يقول:"وَإِنْ كَانَتْ آحَادُهَا الْخَاصَّةُ لَا تَتَنَاهَى".

فكليات الشريعة واحدةٌ؛ لكن الآحاد الداخلات في هذا العموم متكررة لا تنتهي، وهم البشر وحوداثهم وأعمالهم.

"فَلَا عَمَلَ يُفرض, وَلَا حَرَكَةَ وَلَا سُكُونَ يُدَّعَى، إِلَّا وَالشَّرِيعَةُ عَلَيْهِ حَاكِمَةٌ إِفْرَادًا وَتَرْكِيبًا، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهَا عَامَّةٌ"؛ شاملةً لكل الناس.

"وَإِنْ فُرِضَ فِي نُصُوصِهَا أو مَعْقُولِهَا خُصُوصٌ مَا؛ فَهُوَ رَاجِعٌ إلى عُمُومٍ"

فإذا ادّعينا أن هذا خاصّ فهو راجعٌ للعموم لدخوله في قاعدة أخرى.

"كَالْعَرَايَا"؛ بيع العريا، وسيأتي إن شاء الله وسنقرأها في الكلام الذي تكلمنا عنه في دروسنا الأولى، في قضية دعوى وجود مخالفة بعض الأحكام للقياس أو للاطراد، ومنها بيع العرايا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت