فهرس الكتاب
ومن هنا علينا أن نفهم كلمة ابن القيم:"تغيُّر الفتوى بتغير الأزمان"؛ ليس معنى هذا تغير الفتوى مع اتحاد الفعل، ولكن تغير الزمان؛ فأولًا: علينا أن نعرف هل الفتوى منشؤها نصٌ؟ فلا تتغير من زمان لزمان، وهذه نقطة.
والنقطة الثانية: أن هناك أحكامًا تتغير بتغير الزمان والمكان، وهي الأحكام التي أرجعَ الشارعُ تقديرات بعض الأمور لها مثل مسألة"العُرف"؛ فالشارع أرجع بعض التقديرات إلى أعراف الناس، عندما قال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [الأنعام/151] ؛ ما هو المعروف الذي يجب عليك أن تؤديه لزوجتك؟ بما يسمى طعامًا وكساءً، مما هو معروفٌ حسب العرف، فما هو العرف في قضية الإطعام؟ ما هو العرف في قضية السكن؟ ما هو العرف في قضية اللباس؟ هذه تقديراتها متروكةٌ للناس، أو الذين يُقال له:"مهر المِثْل"، نقول هذه زوجةٌ دخل بها زوجها بزواجٍ صحيحٍ ولم يُسمِّ لها مهرًا، دخل بها بعقدٍ صحيحٍ بوليٍّ وشهودٍ ورضا، ولم يذكر لها مهرًا؛ فما الذي يجب عليه لها؟ مهر المثل، طيب هنا مهر المثل كم قيمته؟ هذا يتغير من زمانٍ لزمان، وفي نفس الزمن من بلدٍ إلى بلد، وفي نفس البلد يتغير من طبقةٍ إلى طبقة، ومن عشيرةٍ إلى عشيرة؛ فهذه مقادير الأعراف متروكةٌ للزمن، والشارع هو الذي ترك الاختيار فيها.
وهناك أحكامٌ شرعيةٌ ليست مبنيةً على نصٍ إنما على عموم الشريعة، عندما قال تعالى: {وَتَعَاونُوا عَلَى الْبِرِّ} [المائدة/2] ؛ فما هو البِرٌ في هذا الزمان -فيما ليس نصًا-، فمثلًا لو أعطى رجل درهمًا لأبيه ليكون مُنفقًا عليه، قد يكون هذا برًا وقد يكون هذا عقوقًا في زمنٍ آخر.
إذن؛ تغير الفتوى فيما ليس فيه نص وإنما فيما تارك الشارع تقديره.
ثانيًا: إذا كان فيه نص، يمكن أن يتغير بدخول شيءٍ عليه، نعم الزمان تغيّر ولكن ليس لتغير الزمان ولا لتغير المكان، ولكن لدخول حدثٍ جديدٍ لو دخل في الزمن الأول لغير حكمه؛ وهذا الذي فعله بعض الصحابة مثل فعل عمر -رضي الله عنه- في تغيير فتوى الطلاق من واحدةٍ إلى ثلاثة؛ فإنه قد دخل عارضٌ اعتبره عمر جديدًا، وهو اجتراء الناس عليه، فأراد أن يُبطله؛ إذن لم يتغير بتغير الزمن ولكن لدخول حدثٍ جديدٍ اعتبره الفقيه مؤثرًا في الحكم، وهذه نقطةٌ مهمةٌ لئّلا تُتَّخذ ذريعةً بحجة تغير الشريعة التي أصلها الثبات، فإذا دخل عليها تخصيصٌ في وقتٍ من الأوقات فلا بد أن يكون دافعه الشريعة.
فالشرع هو الذي أَذِن بتغيُّر مقادير مسألة العرف في القضية التي تكلمنا عنها، والشريعة هي التي منحت الإذن في تغير الحكم في الحالة الثانية بدخول حدث جديد عليها، وهو تعارض الأدلة، وهذه نقطة مهمة، أرجو أن تكون واضحة.