فهرس الكتاب
وأنبه على قضية دعوى: من يقولون أن اختلاف الفقهاء رحمة!
وأدّى بهم هذا إلى الاحتجاج بكلام الإمام أحمد -عليه رحمة الله- عندما ألَّف أحد تلاميذه كتابًا في اختلاف الفقهاء وسمّاه (اختلاف الفقهاء) ، فقال له أحمد:"سمِّه كتاب الرحمة"، فهم يقولون أن اختلاف الفقهاء رحمة، وينسون أن الاختلاف هنا ليس هو اختلاف الفقهاء في مسألةٍ مجتَهَدٍ فيها فكل قولٍ لهم يُعتبر حكمًا شرعيًا يجوز لنا أن نأخذه ما بين مرتبة"المُتشدِّد الوَرِع"ما بين مرتبة"المتساهل"! كما قسمها الشعراني صاحب (الميزان) ، وقلنا أن هذا الكتاب هو في ما يسمى"اختلاف التنوع"، أما"اختلاف التّضاد"فلا يمكن أن يكون رحمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا اجتهد الْحَاكِمُ فأخطأ .. ) ؛ إذن الحاكم يجتهد ويُخطئ، فكيف تعد خطأه رحمةً يجوز للناس أن يتعبَّدوا به؟؟
قولهم هذا -أي اختيار ما تتشهَّاه وتنظر له بحسب مرتبتك من الخلاف- يدخل في قول الأئمة:"من أخذ بزلّة كل عالِم تجمَّع فيه الشر كله"، و"تتبُّع زلّات العلماء طريقٌ إلى الزندقة وطريقٌ إلى الكفر"؛ إنما الاختلاف الذي هو رحمةٌ اختلاف التّنوع، وهو أن تأتي الشريعة بهذا وهذا وتبيحهما لك، والمسائل كثيرةٌ في هذا الباب نذكر منها تنوع الصحابة في الإقامة، وتنوع الصحابة في الأذان هل هناك ترجيعٌ أم لا، النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى هذا ورأى هذا، وأقرّه، فهذا هو الذي سمّاه العلماء الرحمة: اختلاف الفقهاء مبنيٌّ على الدليل ويدخل فيه تبعًا باحترازٍ اختلاف الصحابة في مسألةٍ من المسائل على أقوالٍ متعددة، ولم يأتِ نصٌّ قاطعٌ حاسمٌ للمسألة، كما هي طريقة أحمد في الإفتاء بأقوال الصحابة مرةً بهذا ومرةً بهذا، ولم يأتِ نص، أما إذا أتى النص فإنه يخالف حتى كبار الصحابة، كما خالف أحمدٌ -رحمه الله- عمرَ بن الخطاب -رضي الله عنه- في مسألة المطلقة طلاقًا رجعيًا؛ فإن عمر أفتى أنّ لها السُكنى والنفقة، وجاءت فاطمة بنت قيس وقالت: أنا طلقني زوجي ولم يعطني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا نفقةً ولا سُكنى، فقال عمر:"كيف نترك كتاب الله لقول امرأةٍ لا ندري أحفظت أم نسيت؟"، ولأن الحديث قدّ صحّ؛ فأحمد والفقهاء -سوى الحنفية- لم يلتفوا لقول عمر لأنه قد جاء النص وصحّ.
وهذه من الأقوال المهمة، إذن الشريعة أولًا: العموم والاطراد، لا يجوز أن يخرج منها أحدٌ لسبب، كونه غنيًا أو فقيرًا، كونه ملكًا حاكمًا أو محكومًا، كونه أبيض أو أسود، كونه شريفًا أو وضيعًا لا يجوز هذا أبدًا.
ثانيًا: الثبات من غير زوال.
"وَالثَّالِثَةُ -من ميزات ما هو من صُلب العلم-: كَوْنُ الْعِلْمِ حَاكِمًا لَا مَحْكُومًا عَلَيْهِ"