فهرس الكتاب
لأنه مستندٌ إلى الشريعة، فكلام العلماء هل هو من صُلب العلم؟ كلامهم المجتهَد فيه من غير نصوص، أو قول عالمٍ في حكمةٍ من الحِكم أو مسألة من المسائل، فهل هذا من صُلب العلم أم من مُلَحه؟ هذا يعد من مُلحه ولا يجوز أن يكون حاكمًا على ما هو من صُلبه، فصلبه هو الحاكم، وهو تطبيقٌ لقول علي -رضي الله عنه-:"ويحك إنما يُعرف الرجال بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال"؛ فالشريعة حاكمةٌ وليست محكومةً لا بقول أحدٍ ولا بتصرفات أحد، كائنًا من كان.
"بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُفِيدًا لِعَمَلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ انْحَصَرَتْ عُلُومُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا يُفِيدُ الْعَمَلَ، أو يُصَوِّبُ نَحْوَهُ، لَا زَائِدَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تَجِدُ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا مَا هُوَ حَاكِمٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ كَوْنُهَا حَاكِمَةً إلى كَوْنِهَا مَحْكُومًا عَلَيْهَا، وَهَكَذَا سَائِرُ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ."
فَإِذًا؛ كُلُّ عِلْمٍ حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ؛ فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ""
الآن هو يقلب المسألة؛ الأصل أن يقول: هذه مزايا لما هو صلب العلم، فيقول: فإذا تحقق في علمٍ من العلوم هذه الخصائص فهو من صلب العلم، وهذه قاعدةٌ رائعة، لو طبقناها في الحقيقة على القواعد الكونية لأراحت كثيرًا، وهو الذي يسمى الآن الفرق بين النظرية والقاعدة، النظرية التي هي عرضةٌ للتغير والتبدل، والقاعدة الثابتة بيقين ولا مجال لتغيُّرها.
"فَإِذًا؛ كُلُّ عِلْمٍ حَصَلَ لَهُ هَذِهِ الْخَوَاصُّ الثَّلَاثُ؛ فَهُوَ مِنْ صُلْبِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مَعْنَاهَا وَالْبُرْهَانُ عَلَيْهَا فِي أَثْنَاءِ هَذَا الْكِتَابِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ."
-وَالْقِسْمُ الثَّانِي:
وَهُوَ الْمَعْدُودُ فِي مُلَحِ الْعِلْمِ لَا فِي صُلْبِهِ: مَا لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا""
معنى قطعيٍّ وظنيٍّ في هذا الباب: قطعيّ: لا مجال لدخول العقل عليه، وهو علمٌ ضروريٌ دور الآخذ له التسليم. أما الظني: هو الذي يمكن دخول العقل عليه إما إثباتًا أو نفيًا؛ فالقطعي في ثبوته لا دخل للاجتهاد في ردِّه وقبوله لأنه قد التزم قبوله كونه جاء بطريقٍ قطعي، فلا دخل للعقل في رده، وإذا كان قطعيًا في دلالته فلا دخل للعقل في معناه لأن معناه واضحٌ صريح، وهو الذي يسمى"واضح الدلالة"كالنص والمفسَّر والمُحكَم والظاهر كذلك، وهذه مراتب ما هو واضح الدلالة -كما سيأتي في مراتب البيان الواضحة والخفية-. فالقطعي هو ما لا دخل للاجتهاد فيه؛ ومعنى الاجتهاد هنا: التأويل، فلا دور للعقل ولا دور للأخذ والرد إنما تُسلِّم له.
مُلَح الشيء: هو الشيء الزائد بشرط ألا يكون قبيحًا، فهو شيءٌ زائدٌ عن العلم ولكنه من أطرافه وحواشيه، كحِكم الحكماء وأقوال أهل التجربة، وكما يذكر أهل الحديث كما في (رياض