الصفحة 123 من 166

وهنا مسألة أنا لا أريد أن أتكلم فيها لأنها ستأتي في بابها، هل العقل يُحسن ويُقبح؟

سنتكلم عن مذهب أهل السنة في هذا الباب، وأظن أننا استفرغنا الوسع فيها في شرحنا على الطحاوية، عندما تكلمنا عن القدر بتوسع، وكذلك في أشرطة الإيمان، من أن العقل لا يُحسّن ولا يُقبّح ولو فرضناه متعديًا لما حده الشرع، لَكَانَ مُحَسِّنًا وَمُقَبِّحًا.

الآن نأتي إلى النقطة -التي تكلمنا فيها في الدرس الفائت- وهي قضية: حصول العلم لا بد له من شيخ، يقول:

المقدمة الثانية عشرة:

"مِنْ أَنْفَعِ طُرُقِ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلَةِ إلى غَايةِ التَّحَقُّقِ بِهِ أَخْذُهُ عَنْ أَهْلِهِ الْمُتَحَقِّقِينَ بِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ."

لا يقصد بالمتحققين فقط السعة المعرفية، بل كذلك تحققه علمًا وعملًا،"فإن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، إذا أخذت العلم عن رجلٍ ليس فيه تقوى فقد تمثل لديك الصورة المفسدة بأنه يمكن للرجل أن يكون عالمًا ويكون فاسدًا، فهذه صورةٌ تبقى في داخل النفس البشرية ما شاء الله، ومفسدةٌ لها، فالمقصود أن تأخذ العلم عن عالمٍ دَيِّنٍ.

"وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأنسَانَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، ثُمَّ عَلَّمَهُ وَبَصَّرَهُ، وَهَدَاهُ طُرُقَ مَصْلَحَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ غَيْرَ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:"

ضَرْبٌ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ، دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنْ أينَ وَلَا كَيْفَ، بَلْ هُوَ مَغْرُوزٌ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ""

فلا يُسأل عن هذا العلم من أين وكيف حصل، وهو الذي يسمى بالفطرة أو الغريزة، وهذه التسمية هناك خصومةٌ حولها، لكن نحن نقول غريزةٌ مخلوقة، لكنهم يقولون غريزة على أساس الطبيعة، ومن هنا يأتي الباطل.

"كَالْتِقَامِهِ الثَّدْيَ وَمَصِّهِ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إلى الدُّنْيَا -هَذَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَعِلْمِهِ بِوُجُودِهِ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ- مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُولَاتِ."

وَضَرْبٌ مِنْهَا بِوَسَاطَةِ التَّعْلِيمِ، شَعَرَ بِذَلِكَ أو لَا؛ كَوُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، نَحْوِ مُحَاكَاةِ الْأَصْوَاتِ، وَالنُّطْقِ بِالْكَلِمَاتِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ، وَكَالْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي لِلْعَقْلِ فِي تَحْصِيلِهَا مَجَالٌ وَنَظَرٌ في المعقولات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت