الصفحة 124 من 166

وَكَلَامُنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلى نَظَرٍ وَتَبَصُّرٍ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ دُونَ مُعَلِّمٍ أَمْ لَا؟ فَالْإِمْكَانُ مُسَلَّمٌ، ولكن الواقع في مَجَاري العَادات أنْ لا بد مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ"."

ولعله هنا يتكلم في قضية أصل العلم، أي أن يكون الرجل ناطقًا مثلًا، هل يمكن أن يصبح الرجل ناطقًا من غير معلم؟ هل يمكن أن يصبح كاتبًا من غير معلم؟ نتكلم عن الأصل هنا، فهو يقول: أن َالْإِمْكَانُ مُسَلَّمٌ، لأنه يتكلم عما يسمى بالإمكان العقلي هنا، ولكن لو رأيت رجلًا يكتب فإنك تقول: لا بد أن أحدًا علمه.

"كَاخْتِلَافِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ وَالإماميَّةِ -وَهُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الْمَعْصُومَ-"

لأن الإمامية يقولون: أن المعصوم قد علمّه اللهُ، وخرج من بطن أمه متعلمًا فلا حاجة لمن يعلمه، ليُذهبوا عنه شرط وجود من هو أعلم منه، حتى يعطوه هذا الوصف.

"وَالْحَقُّ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا يَشْتَرِطُ الْعِصْمَةَ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالأنبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَهُمْ مُقِرُّونَ بِافْتِقَارِ الْجَاهِلِ إلى الْمُعَلِّمِ، عِلْمًا كَانَ الْمُعَلَّمُ أو عَمَلًا، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُقُوعِ، وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهِ كافٍ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَقَدْ قَالُوا:"إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الْكُتُبِ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأيدِي الرِّجَالِ"."

وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي بِأَنْ لَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِهِ مِنَ الرِّجَالِ؛ إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرْمًى عِنْدَهُمْ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الصَّحِيحِ:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ"الْحَدِيثَ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالرِّجَالُ هُمْ مَفَاتِحُهُ بِلَا شَكٍّ.""

وجه الدليل: أنه لما انقبض العلماء انتهى العلم لعدم وجود المعلِّم، فصار الناس في عماءٍ وجهل.

"فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ تَحَقَّقَ بِهِ، وَهَذَا أيضًا وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ أيضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ؛ إِذْ مِنْ شُرُوطِهِمْ فِي الْعَالِمِ بَأي عِلْمٍ اتَّفَقَ:"

-كيف يكون الرجل عالمًا بمسألةٍ سواءً على الجملة أو في مسألة فرعية؟ -

1)أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِهِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ.

2)قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ فِيهِ.

3)عَارِفًا بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ.

4)قَائِمًا عَلَى دَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ فِيهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت