فهرس الكتاب
وهم للأسف يُدخلون في دراستهم حتى علوم الدين في علوم الإنسانيات وهذا خطأ كبير، وصاروا يدرسون هذه العلوم ويأخذون قواعدها -إن وافقنا على أنها من العلوم- ويطبّقونها على الدين باعتباره ظاهرةً من ظواهر الحياة وظاهرةً من ظواهر المجتمع! وأصبحنا نرى علماء الاجتماع عندما يتكلمون عن أسباب تدين الناس يقولون أن تديُّنهم بسبب العوامل الاقتصادية، وغياب الديمقراطية، وهكذا! لماذا تدين فلان؟ لأنه مريضٌ نفسي! لماذا تعلّق بالغيب؟ لأنه عجز عن تحقيق حلم الجنة في عالم الواقع وهكذا، حتى صارت هي العلوم الأصلية والحاكمة على الدين الذي هو أصليٌ في نفس البشر، وباقي الأعراض هي العارضة عليه.
ولذلك انتبهوا لهذه النقاط في نظرتكم للأمور وطبِّقوها على: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء 224/ 225] ، طبِّقوها على توليد أفكار الشعر وعلى الأودية التي يهيمون فيها من توليدات المعاني والأفكار والحِكم.
فعلينا أن لا نتعامل مع الكتاب والسنة -أي الدين الذي أنزله الله على رسوله- باعتباره شيئًا خارج الحق والعلم، وهذا فِصامٌ موجودٌ في نفسية الدارسين، فهو يتعامل مع الدين كأنه شيءٌ مُقرّر لأن الله قرره، مع أنه علمٌ لو درسته لوصلت من خلاله إلى حقائق. ومن هنا لا يوجد ما يستحق أن يسمى علمًا -بهذا المعنى الذي قاله الشاطبي: أي هو العلم الثابت الأصلي الذي هو من صُلب العلم لا يتغير-، إلا علم الكتاب والسنة، وبقية العلوم لا يمكن أن تنطبق عليها هذه الشروط، لا يمكن أن يكون هناك علمٌ فيه الثبات، لا يمكن أن يكون هناك علمٌ حاكم، لا يمكن أن يكون هناك علمٌ عام مطرد في كل ظرفٍ وفي كل زمانٍ وفي كل مكانٍ إلا الموافق للحق، هذه نقطة مهمة جدًا.
لقد ذكرت لكم سابقًا فساد علم المنطق في دخوله على الأصول، وكنت قد أشرت سابقًا إلى كتاب يتحدث عن علم الاجتماع (علماء الاجتماع وموقفهم من الإسلام) تأليف الدكتور أحمد إبراهيم خِضر، ليس بمعنى أن علم الاجتماع دراسة الظواهر الاجتماعية وأسبابها ودوافعها وحركة الإنسان، فهذه القضية موجودة -وهم ينسبون هذا العلم أصلًا إلى العلامة عبد الرحمن بن خلدون-، إنما هنا المقصود علم الاجتماع وظروفه التي تُدرَّس الآن؛ كعلم الاجتماع العسكري وعلم الاجتماع التربوي وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع الإنساني باعتبار دراسة التدين، هذا العلم الذي يدرس الآن أولًا ليس بعلم، بل هو نتاج ناس مرضى، فأغلب من يُعدّ إمامًا في الغرب تجده من المرضى، وما يخرجونه يعدونه علمًا.
والكاتب يقرر في بداية الكتاب عدة تقريرات: