وقلنا أن هناك أسبابًا حياتية موضوعية جعلت مدرسة أهل الرأي تعتمد على القياس أكثر من اعتمادها على الأثر (الحديث) ؛ وذلك لأنها نشأت في منطقة كثُرت فيها الفِرَق وكثر فيها الوَضْع، مما أدى إلى التشدد في الأخذ بالحديث.
ومن الإجابات التي أعطت هذه المدرسة عن سبب تضييق دائرة أخذها بالحديث مقابل الأخذ بالرأي -والمقصود به هنا القياس، لأن الرأي أعمّ من القياس-: أنها ضعّفت الأخذ بكثير من الآثار التي وردت عن الصحابة بسبب كون بعضها يخالف القواعد التي وردت في الكتاب والسنة، فكيف تُرد قاعدة مثبتة في القرآن من أجل حديث عليه ما عليه؟ مثل أن يكون الراوي ليس بفقيه، أو أن الحديث خالف فيه الراوي فتواه، فلو كان حديثًا يوثق به لما خالف الراوي هذا الحديث وأفتى بغيره.
الخصومات بين الفقهاء:
قلنا أيضا أنه كانت قد نشأت خصومات بين المدرستين أدت إلى صراعات بينهما، وكانت قد وصلت تلك الخصومات لدرجة التنابز بالشعارات بينهما، واتهام كل مدرسة الأخرى:
فمدرسة الكوفة تتهم مدرسة المدينة بقلة العقل والإدراك، وكثرة الرواية للأحاديث الضعيفة، وذكرنا وجود ممارسات لأفراد هذه المدرسة -وليس لأئمتها- تُعطي الحُجّة لمدرسة أهل الرأي.
وكذلك مدرسة الحديث تتّهم مدرسة الرأي بأنها مدرسة لا تحترم حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تحترم الصحابة، وكذلك وُجدت ممارسات واضحة لمثل هذا عند أفراد أصحاب الرأي.
ولم يكن هناك لدى كل مدرسة من القواعد التي تضبط الصراع مع المدرسة الأخرى بحيث تثبت خطأها أو ترد عليه، فكان الصراع قائما مع عدم وجود ضوابط يُرجع إليها للاحتكام ومعرفة المصيب من المخطئ.
واضع أصول الفقه:
وهنا جاء الإمام الشافعي: كانت هناك حاجة ملحّة أفرزت هذا العلم، وبيّنا أن القول بأنّ هذا العلم كان موجودًا بين الناس، وأن الشافعي لم يكن دوره إلا أنه كتبه، غير دقيق؛ فمع أن هذا العلم كان موجودًا في نفوس الناس، وكانت مسائله مدروسة، وقواعده موجودة في نفس كثير من الفقهاء، إلا أنه لم يكن كذلك باعتباره علمًا مضبوطًا له قواعده وله أركانه وله صوره وله حدُّه المعروف المميز له عن بقية العلوم الأخرى.