حتى جاء الإمام الشافعي، فوضع قواعده المسجلة في كتابه (الرسالة) من أجل ضبط الصراع الفقهي ما بين الفقهاء.
الإمام الشافعي نصر مدرسة الحديث:
ولكن ليس بمعنى أنه صار إمامًا مَدنيا تابعًا للإمام مالك في كل ما قال، ذلك لأن الصّراع بين الرأي والأثر هو صراع كامن في نفس الإنسان، هو صراع عكسي؛ بمعنى أنه كلّما توسّع المرء في أخذه بالأثر؛ كلّما قلّ أخذه بالرأي، وكلما وسع دائرة الرأي؛ قلَّت دائرة الأثر.
فمدرسة العراق تضع من الضوابط على الأثر ما يجعل لها الأدلة المقنعة لنفسها وعند خصومتها للآخرين بأن تقلّل دائرته، وتوسع بهذا دائرة الرأي.
وإضافةً لمدرسة العراق (الرأي) ومدرسة الإمام مالك (مدرسة الحديث) ، نستطيع أن نقول عند قراءتنا للواقع أن هناك مدارس أخرى، ولكنها لم تكن واضحة المعالم ومنتشرة كما هاتين المدرستين اللتين بين أيدينا. فهناك صراع واضح نشأ ما بين الإمام الليث بن سعد وبين الإمام مالك على عمل أهل المدينة، والليث بن سعد فقيه مُحدِّث، وكان هناك كذلك الإمام الأوزاعي، وهو كذلك فقيه مُحدِّث، وكان هناك سفيان الثّوري وهو فقيه مُحدِّث، المهم كان هناك أئمة كبار محدّثون وفقهاء، لهم فتاوى ولهم ممارسات لهذا الفقه من خلال الأحاديث.
هل الإمام مالك من أهل الرأي؟
وجدنا أن الإمام ابن قتيبة الدَّيْنَوري صنف الإمامَ مالك في أهل الرأي في كتابه (المعارف) ، فهل أصاب أم أخطأ؟
الحقيقة أن في هذا مخالفةً لما استقرّ في أذهان الناس أنه هو إمام مدرسة الحديث، مع أننا نستطيع أن نصدّق ونقبَل أنه كان من أهل الرأي في مسألة من المسائل.
نحن الآن كلّما وسّع الرجل دائرة الأخذ بالرأي وقيّد الحديث، قلنا أنه من مدرسة الرأي، وكلّما وسّع الرجل دائرة الأثر وضيّق دائرة الرأي بقواعد، قلنا أنه من أهل الحديث.
فهل ضيق الإمام مالك في بعض أصوله دائرة الأثر؟