الجواب: نعم، هناك مسألة من المسائل عُدّت تضييقًا لدائرة الحديث، وهي عرض الإمام مالك الحديث على عمل أهل المدينة، وهذا تقييد، والأصل أن نفتح المجال للأثر، ونضع الضوابط الشديدة على الرأي، ولكن هنا وجدنا أن الإمام مالك -عليه رحمة الله- وضع ضابطًا للحديث يقلل الأخذ به ويوسّع الأخذ بما ليس حديثًا، وإن كان عمل أهل المدينة يدخل في دائرة الاتباع وليس في دائرة الرأي.
فالبقية يجتهدون ويقيسون، ولكن الإمام مالك يأخذ عمل أهل المدينة روايةً، فبهذا الاعتبار هو ما زال في دائرة الأخذ بالأثر لأن الأخذ بعمل أهل المدينة ليس إعمالًا للعقل بل هو أخذٌ للرواية.
أما كلمة ابن قتيبة أن مالكًا من مدرسة أهل الرأي فممكن أن تفسَّرَ باعتبار:
-أنه من الفقهاء الذين أُثِرَ عنهم الفتوى كثيرًا والتفريعات وتوليد الفقه، فيكون معنى كونه من"أهل الرأي"هنا ليس باعتبار التّقسيم المتأخر -مدرسة الحديث ومدرسة الرأي-، ولكن باعتبار كونه من جماعة الفقه، وممن توسّع في أبواب الفقه، مثل ربيعة الرأي الذي سُميّ بهذا الاسم لكثرة فتواه؛ فعُد من أهل الرأي.
-أما باعتبار تقسيم المدارس، فنقول أن ابن قتيبة وضع الإمام مالك في مدرسة أهل الرأي لأنه وضع ضابطًا جديدًا قيّد فيه الأخذ بالحديث -وهو عمل أهل المدينة-.
وفي الحقيقة أن عمل أهل المدينة عند المالكية يحتاج إلى دراسة، وأفضل من كتب فيه أولًا هو القاضي عياض، وبيّن أن المقصود به هو الأثر، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عندما تكلم عن فقه الإمام مالك وما هو عمل أهل المدينة الذي يُعتدّ به، وما هو من عمل أهل المدينة الذي لا يُعتدّ به، فهناك في الحقيقة رسالتان لفهمنا لعمل أهل المدينة عند المالكية.
نرجع إلى موضوعنا:
لماذا سُمي الإمام الشافعي بـ"ناصر الحديث"؟
كما قال الإمام أحمد:"كنّا في خصومة مع أهل الرأي حتى جاء الشافعي ومزج بيننا".
ومن فسر كونَ الشافعي مزج بين مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث بأنه وفّق بينهما فكلامه غير صحيح؛ لأنه في الحقيقة وسّع دائرة الأخذ بالأثر كثيرًا، كما في (الرسالة) ، ولم يجعل عليه ضوابط، ومن أمثلة توسيعه دائرة الأخذ بالأثر:
-قوله عن حديث الآحاد أنه يثبت به العلم والعمل.