والتقسيم إلى متواتر وآحاد تقسيمٌ فنيٌّ متأخر؛ أما عند الصحابة والتابعين فلم يكن هذا التقسيم موجودًا، فالحديث لا يمكن أن يكون عند الصحابي ولا عند التابعي متواترًا؛ لأنه لا يصل إلى الصحابي إلا من صحابي آخر، فلا يصل إلا عن طريق الآحاد، والصحابي سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو سمعه من صحابي آخر -كصغار الصحابة- فإنه يكون عنده من الآحاد، والتابعي كذلك يكون عنده من الآحاد. ولا يستطيع أن يعرف الفقيه أو الناظر للحديث أنه متواتر إلا بعد الطور الثاني وربما الثالث؛ فهو تقسيم فني متأخر للحديث، ولا يجوز أن يَنشأ عليه اعتمادٌ فقهي واستدلال كما يفعل المتكلمون حين يقولون أن حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقائد.
فالصراع حول الحديث لتقييده وتضييق الأخذ به في كل طائفة له ضوابط، ولما يأتي المتكلم والفقيه ويحتاج للإجابة على مسائل متعددة، وهو ضيقَ وأقفل دائرة الأخذ بالأثر، فحينها يأتي بالقياس ويوسع دائرته -كما هو شان الفقيه-، ويأتي بالتوليدات العقلية -كما هو شأن المتكلم-.
-فتحه باب الأخذ بالمرسل
جعل الإمام الشافعي بابًا للأخذ بالمرسل في كتابه (الرسالة) ، مع أنه لا يأخذ به مستقلًا، ولكن قد يستشهد به، وقد يأخذه كجابرٍ للمسألة.
طبعًا كان الحديث المرسل يأخذه أهل المدينة وإلى الآن تعتمد عليه المالكية، وقد كتب أبو عمر ابن عبد البر في مقدمة كتابه (التمهيد) بابًا واسعا بيَّن فيه أن ردَّ المرسل لم ينشأ إلى بعد القرون المفضلة الأولى. طبعًا، الأوائل لم يكونوا يهتمون بكون الحديث مرسلًا أو موصولًا، لكن بعد ذلك اتفق الناس على أن المرسل من أقسام الضعيف.
-قوله بعدم جواز رد حديث لرسول الله.
وهنا تأتي مسألة التعارض، كأنْ يعارض حديث آحاد مجموعة أحاديث، أو يعارض حديث آحاد القرآن، فهذه إحدى الأسباب التي من أجلها رد بعضهم الحديث، فألف الإمام الشافعي كتابا سمّاه (اختلاف الحديث) من أجل أن يبين لهم أنه لا يوجد تعارض، وكان يقول:"اِئتوني بأي حديث يبدو لكم متعارضًا لأحلَّ لكم وأفك لكم تعارضه"، فوسّع بهذا دائرة الأخذ بالأثر.
فالإمام الشافعي نصر السنة، ووسع دائرة الأخذ بالحديث، وعندما جاء لقضية الرأي قال أنه كالتيمم، والقياس في الحقيقة ليس مصدرًا من مصادر التشريع -كما سيتبين لنا في بابه-، فهو يكشف الحكم الذي غاب عنا من النص -لم يغب حقيقةً، بل غاب عنا نحن-.