والإمام الشافعي عندما تكلم عن اللغة العربية وتكلم عن البيان، بيَّنَ أن له مراتب، وهناك مراتب للبيان واضحة، فربما يأتي العامي ويستخرج الحكم بنفسه لوضوح الحكم في داخل النص، وهناك معنى أقل وضوحًا من هذا المعنى، وهو المسمى ب"النص"، ومعنى أقل اسمه"الظاهر"، ومعنى أغمض، وهكذا. ولذلك قال القاعدة العظيمة:"إن الله تعبَّدنا بالاجتهاد"؛ ليقول أنه ما من واقعة تقع لإنسان في مسألة من المسائل، إلا وفي كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هداية لها، لكن هناك مسائل تؤخذ واضحة بيّنة في الكتاب والسنة، وهناك مسائل لا بد من إعمال الاجتهاد فيها.
لكن هل مقصود الشافعي هنا من كلمة"الاجتهاد"هو القياس كما يفهمها المتأخرون؟
الجواب: لا، وإنّما المقصود به: المعنى الخفي الذي في داخل النص، وهذه هي محنة الله لعبيده في التفضيل بين العامي والعالم، فكيف يظهر فضل الله على الرجل أنه عالم؟ لو كانت المعاني كالدرر مفروشةً على وجه الأرض يلتقطها الجاهل ويلتقطها العالم، لما تمايز الناس، ولكنّ الله أخفى كثيرًا من العلوم والأحكام في داخل النصوص؛ حتى يتسابق الناس في البحث عنها ويبذلوا الجهد العظيم في استخراجها فتتمايز درجة الناس.
إذن فالشافعي نصر الحديث وقيَّد الرأي تقييدًا، وبلا شك أن الإمام أحمد له فضيلة أوسع؛ فلو نظرنا إلى الشافعي ونظرنا إلى الإمام أحمد لرأينا أن الإمام أحمد وسّع أكثر مما وسَّع الشافعي في دائرة الأخذ بالأثر، وقال:"الحديث الضعيف أحبُّ إليَّ من الرأي"، طبعا المقصود بالحديث الضعيف هو الذي فيه ضعف يسير، وهو الذي يدخل فيه الحسن بذاته أو الحسن بغيره، وهذا توسيع لدائرة الأخذ بالحديث، بل قال: أنه إذا ورد عن الصحابة قولان فإنه لا يجوز لنا أن نُحْدث ثالثا.
فهذا الدين يقوم على التسليم في مسائل التعبد، وعندما تقول لأحد أن من أدلة الدين القياس، يظن أن القياس هو مرتبة في السنة، فإذا بحث عن مسألة ولم يجدها في الأحاديث أسرع بالقياس، بخلاف لو قلت له أن القياس ليس مصدرًا من مصادر التشريع في ذاته، وأن في الكتاب والسنة ما فيه هداية له في النّازلة التي وقعت به، حينئذٍ قبل أن يصل إلى القياس، يتعب نفسه ويجمع الأحاديث ويجمع الروايات.
ومما قاله الشافعي:"أنه لا يوجد أحد على ظهر الأرض أحاط بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ فإذن عندما تعلم أنه قد غاب عنك الكثير؛ تكون فتواك بالرأي على خوف وعلى وجل، مع علمك أنها موجودة في النصوص، فأنت في لحظات طلبك تحاول أن تطلب هذا العلم من