الصفحة 29 من 166

إن أهل الحديث كانوا يقومون على المرتبة الأولى من مراتب التّسليم، وهي أنهم يأخذون بما جاءهم من الأحاديث، وهي مرتبة من مراتب الفقه ومن مراتب التسليم والتعبد، لكن لو قيل أن حديثًا ما يتعارض مع آية أو مع حديث آخر؛ فحينئذ سيُحتاج إلى الدراية.

مقدمة ضرورية لفهم النقطة:

-أولًا: ما مِن حكم شرعي فرضه الله على عبيده إلا وفيه الحكمة. والحكمة أمارة الخير التي لو خوطب بها العاقل لأدركها وفهمها؛ فالحكم الشّرعي ليس عبثيًا. هو فعلًا مبني على التّسليم، لكن دين الله -عز وجل- ليس متناقضًا، بل يوافق بعضه بعضًا.

-ثانيًا: الحكم الشرعي يحقق مصلحة البشر، فما دام أنه خرج من حكيم، فهو غير متناقض ويحقق مصلحة البشر؛ لكن كلام الأئمة في أن الشّرع يحقق المصلحة لا يجوز أن يُنشئ قاعدة أن المصلحة -في فهمك- يجوز أن تنشئ بها حكمًا شرعيًا، فهم قالوا: ما دام أن دين الله -عز وجل- يحقّق المصلحة، فيجوز لنا أن نستشهد بالمصلحة على حكم شرعي.

فالإمام ابن القيم -عليه رحمة الله- عندما قال:"حيْثُما كانت المصلحة فثَمَّ شَرعُ الله"، هل معنى ذلك أن نضع شرع الله -الكتاب والسنة- جانبًا ونحتكم إلى المصلحة؟! هل قصد الإمام ابن القيم هذا المعنى؟!

هذه مصيبة وطامّة، إذن فلنضع الكتاب والسنة جانبًا، ولنجلس لرجل عنده عقل وفهم ويفتينا، وحيثما أفتانا بحسب المصلحة في عقله قلنا هذا هو حكم الله، هكذا قلبوا المسألة!

والرد على من يقول أننا إذا أخذنا بحكم الله فلا يحقق المصلحة: العجز بعقلك لعدم فهمك أن هذا النص يحقق المصلحة، ولأن المصلحة التي تتحدث عنها قد تكون ملغية بحكم الشرع، كما في حال مصلحة إبقائك على قيد الحياة مقابل إحياء الدّين؛ فهذه مصلحةٌ لو تُركت للبشر بمقاييسهم وأهوائهم لوجدوا أنها أولى من إحياء الدين! أليس الدين جاء لإسعاد البشر؟ فماله جاء ليميتني من أجل أن يحييه!

نعود لمسألتنا:

ما معنى أن الإمام الشافعي مزج بين المدرستين؟

بينَّا أن المعنى ليس أنه أخذ من هذا وأخذ من هذا وخرج بوسط بينهما، والآن نبين أن المزج الذي حصل هو إعطاؤه الحديث النبوي بُعد صاحب الرأي: فلو أتى مخالف برأيه أنه هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت