الصفحة 30 من 166

الصواب، فهو كشف أننا نستطيع أن نرد عليه من خلال النص لأن دين الله -عز وجل- يحقّق المصلحة وفيه الحكمة.

كان المسَلِّم -المرتبة الأولى من مراتب الفقيه من أهل الحديث- يأخذ الحديث ويُسلِّم له ويسكت، فإذا جاءه رجل ليعارضه انصرف عنه ورفض الجدال والمناظرة، فإذا قال له: انظر هذا الحديث يخالف هذا، أو لا يحقق المصلحة، أو هذا الحديث على خلاف القياس، يكون رد الأول -المسلِّم- أنه يعرض عنه ويرفض الجدال.

فقد كان يأتي الرجل إلى الإمام مالك، فيقول له: أريد أن أناظرك، فيقول له: فإن غلبتك؟ قال: اتّبعتك، قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعتني، قال الإمام مالك: وهل تراني أغير ديني كلما غلبني رجل؟!

فكان منهج الأغلب هو ترك المناظرة، ولعدم وجود الحوار نشأ التّنابز بالشّعارات.

فالإمام الشافعي نصر السنة في هذا الباب ومزج، بمعنى أنه أعطى للحديث بُعد الرأي وبُعد العقل وبُعد القياس؛ وأن الحديث موافق للقياس، ولذلك قال لهم: اِئتوني بحديثين بينهما تعارض لأوفّق لكم بينهما.

وكوننا نتحدث عن الإمام الشافعي ليس معناه أن هذا العلم لم يكن موجودًا، وليس معناه أنه لم يكن أحد يدرك شيئًا من البُعد في الحديث ومعانيه ومراميه ويرد على الآخر والشافعي هو الوحيد في هذا الباب، ولكن نقول أنه هو الأبرز في هذا الباب، وأنه كان ظاهرة! أي أنه شاع وبدا، وبدأ الناس يتحدثون عنه أنه رجل يجالس أهل القياس فيرد عليهم قياسهم بالنص.

فهذا معنى المزج، وهذا معنى أنه نصر السنة.

فضيلة الإمام أحمد:

إذن أيها الإخوة، أصول الفقه ضبطت الصراع بين المدرستين، وكما قلت لكم، فمدرسة الشافعي -عليه رحمة الله- لم تكتمل لديه حتى جاء الإمام أحمد ووسّع أكثر منه، فكانت ماشية باطّراد صحيح، وأعادت الأمر لنصابه.

ومما يُعد فضيلةً للإمام أحمد أنه نشأ في المدرسة في معقل أهل العراق، ومن فضائله هو والإمام يحيى بن معين وجماعة من أهل العراق أنهم أحيوا أحاديث أهل العراق، فقد كان الناس لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت