يحترمون حديث أهل العراق، والإمام مالك كان يقول: حديث أهل العراق بمنزلة أهل الكتاب، فكانت ظاهرة أن ينشأ الإمام أحمد -عليه رحمة الله- في هذه البيئة ناصرًا للحديث في بغداد.
وقد عانى -رحمه الله- كثيرًا من بعض المحدثين نظرًا للحساسيّة الشديدة آنذاك من الأخذ من أحاديث أهل العراق، فعانى -رحمه الله- من الأخذ من أحاديث عفّان والفضل بن دُكين أبو نُعيم. وابن دُكين هو الأبرز من شيوخ البخاري وروى عنه في الصحيح كثيرًا، وهم من أهل الكوفة، وأهل الكوفة مذهبهم التّشيّع، والتّشيّع عندهم على مراتب، وبعضهم يُقدّم عليًّا على الشيخين وهذا كان يعده أهل الحديث جريمة، وهو بلا شك مخالف للنصوص، وكانوا يعدون من التّشيّع من قَدَح في معاوية، يعني ربما هو يقدّم الشيخين ولكن يقدح في معاوية، وهذا هو الأغلب في تشيّع أهل الكوفة، فلم يكن يبالي أحمد ومعه يحيى بن معين وجماعة من أهل الحديث، لم يكونوا يبالون، ويذهبون عندهم ويجلسون ويأخذون منهم الحديث.
ومما ذكر الإمام أحمد -خاصة لو تقرؤون ترجمة الفضل بن دكين-:"كم عانينا من الأخذ من هذين الشيخين"، أيْ الفضل بن دكين وعفان؛ لأن المحدثين كانوا يستهزؤون بهم ويعيبونهم، والإمام أحمد لم يكن يردهم لمجرد هذه البدع، فكانوا يعيبون عليه أنه يأخذ من المبتعدة، وكان يقول:"عليهم بدعتهم ولنا حديثهم"، وهذا بالرّغم من أن الإمام أحمد من المتشددين في الأخذ من المبتدعة، وخاصة من الجهمية، والذين قالوا بخلق القرآن، مع أن غيره أخذ منهم.
وكان يحيى بن معين أوسع في هذه المسألة، فالوحاظي مثلًا كان شيخًا من شيوخ البخاري وكان فيه تجهم، وقال:"هي مائة حديث لو تركها أهل الحديث"، وهو يتكلم عن الرؤية، فقال الإمام أحمد:"لعله مال إلى قول الجهم في إنكار الرؤية"، لذلك ضرب على حديثه، وسبه وشتمه، ولكن لما سئل عنه يحيى بن معين، قال:"هو ثقة إمام".
إذن فالمعلَم السُّني الواضح في قضية التعامل مع النصوص والتسليم لها، وتقليل دائرة الرأي قد اكتملت معالمه عند الإمام أحمد، فهو قد وسّع وفتح أبواب الأخذ الأثر.
كيف ضيق وقيّدَ الإمام الشافعي دائرة الرأي:
القياس:
قال إنما القياس كالتيمم؛ يأخذه الرجل مضطرًا.
الاستحسان: