الصفحة 34 من 166

يعني طبيعة الخطاب العربي؛ ولذلك افتتح كتابه (الرسالة) بتعريف البيان، والبيان الذي نستخرج منه حكم الله هو بيان عربي، والقرآن نزل بلغة العرب، ليس فقط بألفاظه ولكن جرى على قواعده وعلى أسلوبه في الخطاب، والسنة عربية، والصحابة عرب، وفهموا كلام الله وكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنه خاطبهم بأسلوبهم، وجرى على قواعدهم في تعامله مع الألفاظ وتعامله مع قواعد الأسلوب والخطاب في ما بينهم، وهذه قاعدة معروفة ومدروسة.

وكان في وقت الإمام الشافعي صراع فكري وصراع عَقَديّ: وجود المعتزلة والجهمية والروافض وغيرهم، فكان مما قال -رحمه الله-:"ما فسد الناس إلا بإعراضهم عن لغة العرب وأخذهم بلغة أرسطو-طاليس". بعض الأئمة ضعّف هذا اللفظ عن الإمام الشافعي، ولكني أنا أجزم بصحته؛ لأننا حين نقرأ كتاب (الرسالة) نجد حديثه عن اللغة وعن طبيعتها وعن قيمتها، وعن صراعه مع الذين يزعمون وجود لغة أعجمية في داخل القرآن، وأنه كان يعرف من أين حصل الخلل، فممكن أن يقول لغة أرسطو-طاليس، أو لغة العجم، المهم أنه أدرك أن سبب الفساد الحاصل هو ترك الناس القواعدَ العربية في التعامل مع الكتاب والسنة، فأزالوا القواعد وأسلوب اللغة العربية، ووضعوا في أذهانهم قواعد جديدة، وصاروا يتعاملون مع الكتاب والسنة من خلال هذه القواعد.

وهذه مصيبة ما زالت تُمارَس إلى يومنا هذا، وطامّة ما زالت تعمل عملها إلى يومنا هذا، وهو أن الكتاب والسنة تُدخَل في مختبر غير المختبر الذي نشأت من خلال أسلوبه وقواعده.

فالأصل هو أن مرادنا من الأخذ بالكتاب والسنة ومن الاجتهاد ومن التأويل هو معرفة مراد الله سبحانه.

فالكلام يكون أولًّا مقصدا، ثم يخرج كلامًا، ثم يأتي الفهم، وهذه مراتب أي كلام.

فمِن أين يأتي الخلل والخطأ؟

الخلل قد ينشأ إما من الكلام في تعبير المتكلِّم عن مقصده، وهذا ممتنع في حق الله وحق رسوله؛ لأن الله -عز وجل- الحكيم، القادر، القدوس، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أدائه للرسالة وفي تبليغه عن الله معصوم بالإجماع. فالخطأ في انتقال المعنى من نفس المتكلم إلى كلامه ينشأ بسبب ضعفه، بسبب وهمه، بسبب الهوى، وقد يكذب، ولكن هذا كله ممتنع في حق الله -عز وجل- وفي حق رسوله، والكلام في خطاب الشارع مُعبِّرٌ عن معنى المتكلم تعبيرًا تامًا واضحًا سليمًا لا يأتيه خلل البتّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت