فالخلل إذن يأتي من الفهم، ويأتي من استخدام قواعد لفهم مراد المتكلم هو لم يرضَها لكلامه، ولكل لغة ولكل خطاب قواعده، ولكل فنٍّ خطابه الخاص به؛ فقد رضي الله -عز وجل- أن هذا القرآن وهذه السنة النبوية نشأت على قواعد العرب، وقد بين الشافعي أن تعبُّدنا لما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يأت استقلالًا من قوله، إنما هو تعبد لأمر الله، والقضية راجعة كلها إلى الله، فإذا كنا صادقين في عبادتنا وأردنا أن نعرف مراد المشرِّع، مراد الله ومراد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهل القصد أن نحوّره وأن نخرجه عن نطاقه، أم أن نكتشف مراده كما هو؟!
فالخطأ ينشأ عندما نأتي بقواعد للفهم غير ما استعمله المتكلم، ففي قواعد اللغة، لو جاء عندنا مُطلَق ومقيَّد في مسألة من المسائل يجب أن نتعامل معها من خلال كلام العرب، كذلك قوّة الخاص مقابل قوة العام نتعامل معها من خلال لغة العرب.
والإمام الشافعي يقول في (الرسالة) أن:"البيان هو ما تعدّدت فروعه والتقت أصوله"، يعني من الممكن أن يخاطب الرب -سبحانه وتعالى- بخطاب متعدّد، ولكنه يعود إلى معنى واحد، وهكذا العرب؛ يعبّرون عن الشيء بتعبيرات متعددة وكلها تعود إلى معنى واحد، قد تبدو للجاهل تعارضًا، ولكنها في الحقيقة قاعدة واحدة.
فأول مصدر من مصادر أصول الفقه هو اللغة العربية، وأي ضعف في اللغة يؤدي إلى ضعف في فهم المراد، فكلما صار الرجل عالمًا في اللغة كلما كان عالمًا لمراد الله ولمراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقواعد الإبانة عن مراد الرب في نفسه هي قواعد اللغة العربية، وأية قواعد جديدة هي قواعد مبطلة، إذن فقواعد استخراج الحكم الشرعي هي قواعد اللغة العربية، هذه هي قواعد أصول الفقه.
قد يقال: أنت وضعت اللغة قبل فهم الصحابة؟!
نقول: الصحابة أنفسهم، وهم المشهود لهم أنهم فهموا الخطاب على مراد الله، وصدّقَ اللُه فهمهم ورضيه؛ فهموه بقواعد العرب، والخلاف عند المتأخرين نشأ عندما لم يتعاملوا مع الكتاب والسنة بما تعامل به الصحابة؛ وهي قواعد اللغة العربية.
المصدر الثاني: الحكم الشرعي.
الشافعي ورَث فقهًا، هو نظر للكتاب والسنة، وكذلك وجد فقهًا، ووجد فتوى للصحابة والتابعين وتابعي التابعين؛ فتصوّره للحكم الشرعي مع تصوّره للأدلة التي استُخرج منها جعلته يعرف