الصفحة 38 من 166

-والتصديقات: من أجل إثبات مسألة من المسائل، حتى يصبح لدينا الإقرار بها، وقال: ليس هنالك ثمة طريقة لمعرفة التصديقات إلا من خلال البرهان.

مثلًا: حتى تعرف ما الكتاب؛ يقول أرسطو أنه لا يصلح أن تنظر إليه، ولا يصلح أن تقول أنه مجموعة من الورق، بل لا بد أن يتم تعريفه بالحد، والحد لا بد أن يكون جامعًا لميزاته ولخصائصه التي يفترق بها عن الآخر، لذلك قالوا أن الحد يجب أن يكون:"جامعًا مانعًا": جامع لأوصافه، مانع من دخول غيره عليه، وأشهر مثال يذكرونه، هو تعريف الإنسان بكونه حيوانًا ناطقًا:"حيوان"يعني فيه حياة، وهناك أشياء كثيرة فيها حياة، ولكن"ناطق"أخرجت بقية الموصوفات الأخرى التي تجتمع مع الإنسان في الحياة، فهذه تعطي التصورات.

أما مسائل التصديق؛ فلا بد أن تتم عن طريق البرهان، ولا يقع البرهان إلا عن طريق الجامعة، التي هي: مقدمتان ونتيجة. مثلًا:"كل إنسان ميت، زيد إنسان؛ إذن زيد ميت"، هذا البرهان. وقد تكون هذه العلّة الوسطية سالبة أو موجبة، وقد تكون الأولى سالبة أو موجبة، مثلًا:"كل حسن ليس بصادق"، هذه سلبية ما دام فيها النفي. إذن لا بد من هذا الترتيب، وأن يتم الاتفاق على المقدمة الأولى والمقدمة الثانية، ليتم الاتفاق على المقدمة الثالثة.

وأرسطو معه عذره ليقول مثل هذا، فهو ليس لديه هداية، وليس عنده قرآن، وليس عنده سنة، وليس عنده أنبياء يثبتون له الحقيقة ويردون على المخالف، هم مشركون بلا شك، لكن لا يجوز لنا نحن أن نحصر طريقة تصديق الأخبار في البرهان، ونحن عندنا ما هو أعلى من البرهان.

وإبطال المنطق يحتاج لشرح مطول، لكنه دخل في أهل الإسلام، وفي البداية لم يدخل في مسائل الفقه، إنما أَدخل وتلقى علم أرسطو-طاليس الذين يبحثون في علم أصول الدين وعلم العقائد، وبعضهم أخذه وجعله الحقيقة المطلقة التي لا يجوز لأحد أن يناقضها، وبعضهم نظر إليه كحقيقة ووقع في الشك بالكتاب والسنة عندما رأى أن الكتاب والسنة هي أخبار، ولم تثبت أحكامها عن طريق البرهان، فجاءه الشك وصار زنديقًا كافرًا، وهم الذين يغلب عليهم الفلسفة المشّائيّة، كالكندي والفارابي، وحتى الرّازي وابن سينا، وغيرهم من متقدمين ومتأخرين.

وجاء أناس وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وأرادوا أن يوفّقوا بين ما جاء عن طريق الحكمة -وهو المنطق اليوناني-، وما جاء عن طريق الشريعة، وكان هذا أبرز ما يكون عند ابن رشد، الذي حاول أن يوفّق بين الشريعة والحقيقة، وكانت قبله محاولات للغزالي.

من الذي أدخل المنطق (لغة أرسطو-طاليس) لأصول الفقه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت