الصفحة 41 من 166

بالشيء تعريفًا كافيًا، فلو قلنا أن الإنسان حيوان ناطق، هل صحيح أنها عرّفت ما الإنسان؟ هل هذا كافي؟! يقول شيخ الإسلام أن التعريف بهذه الطريقة لا يقدم معرفة، والأسلوب النبوي الذي هو العيان هو الأمثل: (صلّوا كما رأيتموني أصلي) ، (خذوا عني مناسككم) ، فلم يعرف لهم -صلى الله عليه وسلم- ما هي الصلاة، ولا ما هو الصوم، ولا ما هي الزكاة، بل جعل المثال هو أعظم طريقة للتصور. فحتى تتصور ما الإنسان، أحضر إنسانًا، حتى تتصور ما هو الكتاب أحضر كتابًا!

فمن الذي قال لكم أنه لا يمكن معرفة الشيء وتصوره إلى من خلال الحد؟

ثم الناس يحتاجون إلى كل شيء في الحياة: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ؛ ويحتاجون إلى معرفة الأشياء؛ فمن الذي يستطيع أن يُنشئ الحد؟

أنتم جعلتم له ضوابط لا تصلح إلا لقلة من البشر، فهل البشر كلهم بحاجة إلى بضع نفر ليعرّفوهم بالأشياء كلها حتى يتم التصور؟؟

وعندما أتى إلى البرهان، قال: أولًا: يصح الإثبات من غير البرهان وبمقدمة واحدة؛ فبدل أن أقول لك:"الخمر مسكر"، أقول لك:"الخمر حرام"، وحملت هذه الجملة كل المعاني، وليس من الضروري تطويلها. فأنت قدمت لي المعلومة بالتطويل، ومعروف أنه عندما تطول المسألة يسهل دخول الخلل فيها، وكلما قصرت كانت متينة وأقوى.

وضرب أمثلة كثيرة أنه من الممكن أن أقدم لك مقدمة متّفق عليها، ومقدمة ثانية متفق عليها وتخرج لنا نتيجة خاطئة.

وقال في البرهان: نحن أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- لسنا بحاجة أن يقدم لنا النبي كل مسألة عن طريق البرهان؛ يكفي أنه هو رسول الله لنأخذ كل مسألة يقدمها لنا بالتسليم وتنشئ يقينًا لدينا في النفس. أليس مقصود البرهان هو تحصيل اليقين في القلب؟ إذن نحن لا نحتاج إليه، فلدينا يقين أكثر مما عندكم، وضرب أمثلة كثيرة سنتحدث عنها في بحث المنافقين.

وأصحاب البرهان أكثر الناس شكًا، ولذلك قال عن هذا المنطق:"لا يحتاجه الذكي، ولا ينتفع به البليد".

وقال كلمته:"هو كلحم جمل غَثّ، على رأس جبل وعر"، أخذًا من حديث أم زرع عندما وصفت زوجها، فالجمل الغث تصعد له بصعوبة وتتعب، ثم لما تصل لا تجده شيئًا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت