الصفحة 63 من 166

لا شك أن هذا يجعلنا نقول أن مذهب الحنابلة في الفروع هو فرع عن مذهب الشافعية، أما في الأصول فالشافعي هو صاحب مدرسة يدخل فيها أهل الحديث، والإمام أحمد منهم. ليس معنى كونه تلميذه أنه اشتقّ منه -لا تفهموا هذه الصيغة-، فالإمام أحمد له عقليّته الخاصّة، وهو إمام في علم الحديث، وإمام في فهمه وإحاطته بمذهب السلف وبأقوال الصحابة وبأقوال التابعين؛ ولكن القصد أن المدرسة حين كُتبت؛ كُتبت على يد الشافعي، ودخل فيها أحمد إقرارًا لما كتبه الشافعي. فالحنابلة إذن لم يكن لهم شيء، لم يكن لهم كتابة في استثمار، وهذا يجعلنا نتساءل: الشافعية أين هم؟ لماذا أصبح الشافعية هم أئمة أصول المتكلمين؟

من أين بدأ الانحراف؟

أنا ذكرت أنّ دخول المنطق إلى الفقه أولًّا كان على يد ابن حزم -وهي ملاحظة سريعة تحتاج إلى دراسة ومراجعة-، ومع أن ابن حزم ممن أدخل المنطق إلى أصول الفقه؛ إلا أنه لبعده المغربي لم يكن له تأثير على هذه المدرسة الكبيرة الموجودة في الشرق، ولم يكن لكتبه انتشار، بل إن تأثره بالمنطق جاءه من المشرق، حتى أني نظرت، فوجدت أنّ أبا الوليد الباجي -وهو المناظر والخصم القويّ اللّدود لابن حزم- كتب كتبه على طريقة المناطقة؛ ف (إحكام الفصول في أحكام الأصول) يجري مجرى المناطقة في كل شيء، وكتابه (المنهاج) كذلك.

كتب المتكلمين:

-وجدت أن أول كتاب دُون على طريقة المتكلمين هو (التّقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد) لأبي بكر الباقلّاني، المتوفى سنة 413 هـ. وقد تتلمذ الباقلاني الشافعي وأبو المعالي الجوني -المتوفى سنة 478 هـ- لأبي القاسم القُشيري. وهو أول من أحدث الشَّرْخ في الشافعية في تبنيهم لعقائد الأشاعرة، حتى صار أغلب الشافعية أشاعرة. وقد تبنّى الشافعية طريقة الأشعري في علم الكلام التي أخذها من ابن كلاب؛ ويعتبر كتاب (التقريب) هذا هو العمدة لكتب المتكلمين.

-الكتاب الذي اعتُبر بعد ذلك عمدة لكتب المتكلّمين هو كتاب (المعتمد في أصول الفقه) لأبي الحسين البصري المتوفى سنة 436 هـ، وهو مُعتِزلي، ولما جاء مَنْ بعده اعتبروه عُمدة في كتب الأصول الشافعية، -ليس نسبةً للشافعي إنما الشافعية نسبة للمتكلمين-. وكتب عبد الجبار المعتزلي كتبًا في الأصول أيضًا منها كتاب (العُمَد) ، وشرحه أبو الحسين البصري وسمّاه (شرح العمد) .

-وجاء كتاب آخر بعده اسمه (البرهان) للجويني المتوفى سنة 478 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت