الصفحة 64 من 166

إذن هذه الفترة -وهي القرن الخامس الهجري-، هي الفترة التي غلب على الشافعية فيها علم الكلام، فكتبوا في مباحث العقيدة وكتبوا في مباحث الأصول، ثم جاء الغزالي بكتابه (المستصفى) .

فعُمَد كتب الأصول عند المتكلمين هي: (المستصفى) للغزالي، و (المعتَمد) لأبي حسين البصري، وقد أخذ من هذين الكتابين رجلان، وكل كتب الأصول التي تُنسب إلى الشافعية الآن تقوم على كتابيهما، وهما: كتاب (الإحكام) للآمدي، و (المحصول) للرّازي، حتّى أنه كان يُقال: أن الرازي كان يحفظ أربعة كتب؛ منها (المعتَمد) في أصول الفقه، و (البرهان) للجويني، و (التّقريب والإرشاد) للباقلاني، فكان يحفظ هذه الكتب وجَمَعها كلّها وأخرج كتاب (المحصول) .

دخول علم الكلام للمغرب

بعد ذلك استقرّت المسألة عند الشافعية، وكثُرت رحلات أهل الغرب من المالكيّة إلى الشّرق، وكانت لقاءاتهم مع هؤلاء الأئمة، فتأثروا ونقلوا المذهب هناك، ومنهم الباجي، ولو أردنا أن نتكلم عن كتب الأصول عند المالكية في المغرب؛ لرأينا ابن حزم الظاهري، المتوفى سنة 456 هـ، وسنتكلم عنه كلامًا خاصًا باعتباره مدرسة خاصّة، تلتقي مع أهل الحديث في كثير من فروعها وأبوابها ومسائلها، وتختلف عنها في بعض المسائل. والرجل الآخر من المالكية الذي كتب في أصول الفقه هو أبو عمر بن عبد البر -صاحب كتاب التمهيد- المتوفى سنة 463 هـ، في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) ، وهو كتاب على منهج أهل الحديث وعلى منهج (الرسالة) في أصول الفقه، ويُعدّ هذا الكتاب من قَنَاطر ما كتبه أهل الحديث في أصول الفقه.

فإذن بعد هذه المدّة، حمل الباجي هذه الأصول وأخذها إلى المغرب، وتمت الرّحلات، وتنقل تلامذة الغزالي -مثل المهدي بن تومرت-، فبدأ الالتقاء، خاصّة أن المالكية والشافعية بينهما تقارب، مع الخصومة الباطنية في اعتبار أن الشافعي قد أنكر فضل إمامه، ولكن بقي التّقارب في أخذ المالكي من الشافعي لكونهما من مدرسة واحدة، فالمالكي عندما يريد أن يتعلّم لا يذهب لمدرسة الأحناف ليأخذ منهم أصوله، على اعتبار أن أصولهم مختلفة، ولكن إتيان المالكي إلى الشافعي قريب مأخذه، ويشعر بقرب الأصول بينهما.

كانت هذه إذن هي مسيرة انحراف أصول الفقه من كتابتها، وتعليل مسائلها، والاستدلال بها، وإنشاء قواعد أصول الفقه، من طريقة الإمام الشافعي - باعتبارها طريقة أهل الحديث السُّنية-، إلى طريقة المتكلمين. وقد تكلّمنا عن الأحناف، وعن كونهم كانوا يعيشون عُزلة خاصة في ذاك الزمان، وإن كانوا مع ذلك تأثروا ولا بد وقد نلاحظ هذا عند دراسة كتبهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت